في وداع المسيري

كنت قد قطعت على نفسي عهدا ألا أخط كلمة في تعزية أي إنسان مهما كان، ولكن عبدالوهاب المسيري كان دوما ظاهرة اسثنائية. لن أتحدث هنا عن حياة المسيري ومؤلفاته وسيرته الفكرية أو النضالية السياسية، فهذه سيرة استغرقت من الرجل كتابا ضخما جدا بعنوان “رحلتي الفكرية”. ولعل البعض منا قد عرف المسيري في كتاباته عن الحداثة وما بعدها وعن العلمانية، والبعض الآخر لا يتذكره إلا في دراساته المتخصصة في الصهيونية، وهناك آخرون لا يقرأون له، لكنهم يرونه على الشارع مناضلا سياسيا قد شارف السبعين عاما من العمر… هكذا يكون المثقف الصادق، متواجدا في الكتاب والشارع، يعمل بيده ما قد خطه بها.

لماذا المسيري استثنائي؟

عرفت هذا من اللحظة الأولى التي ذكر لي أحد أصدقائي ذو الميول الليبرالية كتابه عن “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، ذكره لي بنفس المديح الذي سيذكره لي بعده بفترة قصيرة صديق إسلامي. وأن يتفق الاثنان على أمر، فهذا يعني أنه أمر استثنائي. يزداد الأمر استثنائية عندما تطالع الكتاب وكل الذي قرأته قبله كان كتبا ككتاب سفر الحوالي أو القرضاوي أو الجابري أو كتابات النيوليبراليين. كان نقلة هائلة- استثنائية، إذا كان تكرار هذا الوصف جائزا- في تصوير المسألة، وطريقة التحليل، والتعامل مع الظاهرة. لا تندهش بعدها، أن يتفق الكثير على أنها أطروحة ليست مهووسة بتدنيس أو تقديس مفهوم العلمانية، أحد أكثر المفاهيم إشكالية في الفكر العربي، والذي بالموقف منه يتحدد موقف المثقف من بين التيارات كلها… كان المسيري بما قدمه عنها يقف خارج التيارات كلها.

أستطيع تمييز قراء المسيري من بين ألفي شخص، فهو باستثنائيته يكسو قراءه بلون خاص من النظر والتفكير. يشدد المسيري على تفحص الانحياز في كل منظومة فكرية، وعلى الكشف عن هذا الانحياز. يعلمنا دائما، أن الموضوعية المطلقة: وهم، وأن كل منتج بشري لابد أن يكون منحازا، وأننا إذا استسلمنا لانحيازات من يهيمن علينا، أصبحنا نفكر بعقله هو لا بعقولنا نحن. في آخر مرة قدم فيها إلى السعودية قبل عدة أشهر، تمت استضافته في مركز الملك فيصل لتقديم محاضرة عن التحيز، ضرب أمثلة عديدة على الكلمات التي نرددها دون وعي في إعلامنا، فيها استسلام لانحيازات قوى عدوة أو تتبنى مشاريع للهيمنة، أو استدامتها. كلمات كـ “الكشوفات الجغرافية”، تساءل يومها: “هل كانت الامريكتان خاليتين من البشر قبل مقدم كولومبس، حتى يقال لنا إنه (اكتشفها)؟”. وهكذا يحلل كلمات أخرى كمستوطنة، واستعمار، والحرب العالمية…. وغيرها من الكلمات. “إشكالية التحيز” عند المسيري ليست أطروحة هامشية، بل هو مشروع ضخم أشرف عليه، وأصدر مجموعة من الكتب للكشف عن التحيز في الثقافة العربية في كافة المجالات: التاريخ، الفلسفة، الجغرافيا، العلوم… وغيرها.

في المرة الأخيرة التي قدم فيها إلى السعودية، تمت استضافته في النادي الأدبي، وكانت هذه المرة الأولى التي أراه فيها عن قرب وعلى طبيعته. فعلى الرغم من كل الأذى الذي تعرض له، وعلى الرغم من قسوة المرض الذي كان واضحا أنه ينهكه؛ على الرغم من كل هذا إلا أنه كان مرحا شديد المرح، ولا تمر خمس دقائق إلا ويلقي علينا إحدى النكت المضحكة، بل إنه صرح أنه يعمل على نشر كتاب عن “النكت”، لا أعلم هل استطاع انجازه أم لا. هو شخص استثنائي أينما نظرت إليه، بل حتى الذين زاروا بيته يقولون إنه صممه بالفلسفة التي يؤمن بها: الإيمان بقيم متجاوزة لعالم المادة، لهذا كان بيته يكتظ بالتحف والرموز التي تحمل قيم مختلف الحضارات. مات المسيري وكان أكثر ما ينتقده الثقافة الاستهلاكية والوظيفية، مات وكانت آخر مقالة نشرت له والتي أرسلها في يوم موته تتحدث عن مأساة الانسان في هذا العصر وكيف تحول إلى شيء… سلعة… يباع ويشترى.

الحديث عن المسيري حديث لا ينتهي، والإعلام العربي لا يتذكر مفكريه إلا عند موتهم. أثناء كتابتي لهذه الكلمات، كنت أفكر: ما العمل الذي من خلاله نستطيع رد ولو جزء بسيط من الدين الذي ندين به لهذا الرجل؟ كانت إجابة واحدة هي التي ألحت على ذهني: خلف المسيري عملا مهما جدا، يعتبر من أمضى الأسلحة المعرفية في الصراع مع اسرائيل، وهي موسوعته عن “اليهود واليهودية والصهيونية”، وهي عمل تم تسييسه ومحاربته واتهامه بأنه عمل معاد للسامية، لذلك فأقل القليل اتجاه هذا الرجل أن نسعى لنشر هذا العمل وفسحه وتسهيل وصوله لكافة المهتمين بقراءته.

تعليق واحد على في وداع المسيري

  1. حسن السلمي قال:

    رحم الله المسيري لا اخفيك سرا انني احسست انك مسيري النزعة تلفحك نفحة منه ، حدث لي هذا وانا اتصفح مدونتك خصوصا مصطلح التحيز الذي يشكل مشكلة كبيرة اشار اليها المسيري وحاول جاهدا ابرازها للمثقف العربي.
    اعتقد ان كتاب رحلتي الفكرية عمل يستحق ان يقرا على الاقل لتفهم بعض تركيبية المسيري وفلسفته في استنطاق الحقيقة فهو كتاب يمنحك صورة بانورامية على هذا الطريق الطويل من البحث ووالدرس ليتوج بعمل ضخم كاليهودية والصهوينية . رحمه الله شعرت بحزن دفين وانا اغادر كتاب رحلتي الفكرية ونتمنى ان يضطلع طلابه بمهمة نشر فكر هذا الرجل حتى يقضى على الامية الثقافية او الجهل المركب

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *