الربيع العربي وتجارب التاريخ

عادة ما نتصور الثورة على أنها لحظة انقطاع مع الماضي، إلا أنها في الحقيقة إعادة وصل به، في كتابها «لعبة خطرة: التوظيفات الناجحة والفاشلة للتاريخ»، تقول مارغريت ماكميليان: «حتى عندما يظن الناس أنهم متجهون إلى طرق جديدة، فإن النماذج التي ينظرون من خلالها تأتي من الماضي». وتضرب في كتابها أمثلة عدة على ثوريين قاموا أثناء محاولتهم بناء عالم جديد إلى إعادة إنتاج أجزاء من النظام القديم الذي أسقطوه.
فعلى سبيل المثال، بنى نابليون، الذي وصل إلى الحكم كأحد تبعات الثورة الفرنسية، مؤسسة حكمه على نموذج مؤسسة حكم آل بوربون نفسه.
فإن كانت الثورة تقوم ضد النظام القديم، فإنها ليست قطيعة مع كل ما هو قديم، أي ليست قطيعة مع التاريخ. وبالمقدار نفسه الذي تبيح به ملكة التخيل للثوار النفاذ إلى المستقبل وتصور عالم جديد، فإنها، أي ملكة التخيّل هذه، ليست مفصولة أو معزولة عن ملكة التذكر، وهي بالتعريف القدرة على استجلاب الماضي إلى الحاضر، إن الفعل الثوري هو مزيج من التخيل والتذكر، وهو ما يجعله منفتحاً على المستقبل بقدر ما هو مفتوح على الماضي. Continue reading

سجال التدخل الخارجي / بدر الإبراهيم

يتجدد النقاش حول التدخل الخارجي مع كل تلويح غربي بضربة على بلد عربي، وأزعم هنا أن المعارضين لأنواع التدخلات والضربات العسكرية الخارجية على البلدان العربية ينطلقون من مبادئ ومعايير واضحة لرفض هذا التدخل، لأنهم يرفضون ديمقراطية البوارج ويتمسكون بالديمقراطية كأجندة وطنية ونتاج لحراك مجتمعي داخلي ويرون أن لا ديمقراطية دون سيادة واستقلال وطني، ولأنهم لا يقبلون بانتهاك سيادة البلدان العربية والعبث بمقدراتها خدمة لمصالح العدو الإسرائيلي.
وأزعم أيضاً أن معايير المؤيدين للتدخل الخارجي غير واضحة، ويعتريها التناقض، ويمكن مناقشة حججهم للوصول إلى استنتاجات وخلاصات حول مآلات الحجج المستخدمة لدعم التدخل الخارجي.

التدخل الإنساني

تبدو الحجة الأبرز المتداولة في أوساط المؤيدين أن التدخل العسكري الغربي سيوقف شلالات الدم، وأن تأييده ينبع من شعور إنساني، وأن الأولوية السابقة على كل شيء هي وقف الدم بضرب النظام السوري، وهكذا يظهر المؤيدون للتدخل وكأنهم أكثر إنسانية وحرصاً على الدماء، وتبدو معارضتهم في هذا وكأنها استخفاف بالدماء المسالة في سوريا، لكن هذا غير دقيق أبداً، ويمكن الرد على هذه الحجة من أربعة أوجه: Continue reading

البحث العلمي و«خرافات» التدخل الخارجي!

تقوم الدراسات الأكاديمية في معظم الأحيان بتفكيك الخرافات التي يصنعها الإعلام، إلا أن هذا «التفكيك الأكاديمي»، للأسف الشديد، يظل غالباً محصوراً في العالم الأكاديمي وغائباً فيه، فتستمر الخرافة حيّة فقط، لأن هراطقتها مسجونون في برجهم العاجي. هذه الفجوة بين «هرطقة» العالم الأكاديمي و«خرافات» الإعلام تكشف عن نفسها كأفضل ما يكون في المواضيع التي تمس مصالح القوى العظمى المهيمنة على هذا العالم.
ولعل أكثر الأمثلة توضيحاً لمثل هذه الفجوة هو موضوع التدخل العسكري لطرف ثالث في حرب أهلية، فالخرافة التي يروجها الإعلام تقول: إن «التدخل العسكري» هو «حلٌّ»، بعض الأحيان تتم تسميته بـ«حلّ إنساني» لهذه الأزمات المسلحة.
في مدونة «مونكي كيج» التي تديرها مجموعة من أساتذة العلوم السياسية، قام الأستاذ في جامعة دينفر إيريكا شينويث باستعراض مجموعة من الدراسات الأكاديمية حول هذا الموضوع، حاولت هذه الدراسات الإجابة عن ثلاث أسئلة، تدور حول موضوع التدخل العسكري. السؤال الأول: هل يُسرّع التدخل العسكري من إنهاء الحروب الأهلية؟ أما السؤال الثاني، فهو: هل يقلل التدخل العسكري من قتل المدنيين؟ وآخر الأسئلة، هو: كيف يؤثر التدخل العسكري في ممارسات حقوق الإنسان؟ سنقوم هنا باستعراض سريع لأهم نتائج هذه الدراسات.
بالنسبة إلى السؤال الأول، أي هل يُسرّع التدخل العسكري من إنهاء الحروب الأهلية؟ فهناك دراستان، الدراسة الأولى نشرت عام ٢٠٠٠ لكل من آندرو إنترلاين وديلان بالخ – ليندساي، إذ قاما فيها باستقراء ١٥٢ حرباً أهلية من عام ١٨٢٠ إلى ١٩٩٢. في هذه الدراسة توصل الباحثان إلى نتيجة مفادها أن دخول طرف ثالث لمصلحة أي من الطرفين المتصارعين يؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتأخير إنهائها. إضافة إلى هذه الدراسة قام باتريك ريغان بنشر دراسة، تعتبر أشد متانة في هذا المجال، عام ٢٠٠٢ بعنوان: «تدخلات الأطراف الخارجية ومدة الصراعات الأهلية»، قام فيها باستقراء ١٥٠ صراعاً أهلياً من عام ١٩٤٥ إلى ١٩٩٩، فتوصل إلى نتيجة مفادها أن التدخل الخارجي مهما كان شكله لا يؤدي في النهاية إلى تقصير أمد الحرب بل على العكس من ذلك، أي إلى إطالتها.
أما بالنسبة إلى السؤال الثاني، أي هل يقلل التدخل العسكري من أعداد القتلى المدنيين؟ فإن دراسة أجريت عام ٢٠١٢، قام بها كل من ريد وود وجيسون كاثمان وستيفن جينت، قامت باستقراء مجموعة من الصراعات الأهلية بين عامي ١٩٨٩ و٢٠٠٥، وتوصلت إلى نتيجة مفادها أنه كلما ضعف أحد أطراف الصراع نتيجة دعم طرف خارجي للآخر، فإنه ينزع لاستخدام أساليب أكثر دموية وقتل أكثر للمدنيين.
في هذه الدراسة ذكر الباحثون أن التدخل الخارجي الذي يقوم بدعم معارضة حكومية ضد القوى الرسمية يدفع القوى الرسمية إلى زيادة قتل المدنيين بنسبة ٤٠ في المئة.
بالنسبة إلى السؤال الأخير، أي كيف يؤثر التدخل العسكري في ممارسات حقوق الإنسان في منطقة النزاع؟ فإن دورسون بيكسين في دراسته المنشورة عام ٢٠١٢ يؤكد أن التدخل العسكري، بغض النظر عن النظام السياسي للدولة أو الدول المتدخلة، يؤدي إلى زيادة في انتهاكات حقوق الإنسان، أي زيادة في القتل والتعذيب والاختفاء والاعتقال السياسي، وما إلى ذلك من الظواهر.
أي أن هذه الدراسات تقوم بهدم ثلاث خرافات أساسية محيطة بالتدخل الخارجي، والتي تعتبر عادة المبررات الجوهرية لتبريره في كل مرة. أي أن التدخل الخارجي، أولاً، لا يقلل من أمد الحرب، ولا يسارع في إنهائها. وأنه، ثانياً، لا يؤدي إلى التقليص من قتل المدنيين. وهو، أخيراً، يعمل كمحفز للأطراف المتقاتلة كافة للزيادة في انتهاكات حقوق الإنسان.
وعلى رغم تفكيك هذه الخرافات المستقر في العالم الأكاديمي، إلا أن الخرافات لا تتلاشى، وما زال المدافعون عنها يدافعون بشراسة، وهذا في جزء منه يعود إلى خشية الإنسان من انهيار الآمال الوهمية التي يعلق نفسه بها، إلا أن السبب الرئيس في استمرار مثل هذه الخرافات هو أنها ببساطة مفيدة، أي أنها تعمل كغطاء جذاب تستطيع من خلاله القوى الكبرى تمرير سياسات هيمنة وسيطرة على المنطقة عبر رفع مثل هذه اليافطات البراقة، فتستمر بالبقاء نتيجة وجود صناعة إعلامية كاملة، تكرس وجودها وتعطيها قوّة الحقيقة الواقعية.
وفي هذه الأيام الراهنة، نرى بوضوح كيف أن الولايات المتحدة الأميركية تدفع باتجاه نوع من التدخل العسكري في سورية من دون موافقة مجلس الأمن، ومن دون انتظار لنتائج التحقيق، بل بغض النظر عن نتائج التحقيق كما صرح بذلك وزير الخارجية الأميركية وأكده الرئيس الأميركي، في مشهد لا يعيد إلى الأذهان سوى سلسلة الأكاذيب التي تركب بعضها فوق بعض، ليتم عبرها تسويق احتلال وتدمير الدولة المجاورة لسورية: العراق.
رفض التدخل الخارجي لا يعني بالضرورة الاصطفاف إلى جانب نظام الأسد، ولا يعني تبرئة له بل يعني عدم تجريب المجرب، ولا الاستجارة من الرمضاء بالنار. وهو يعني من جهة أخرى، أن تقوم الدول العربية بتحمل مسؤوليتها تجاه ما يحدث هناك، والتحرك في شكل مسؤول باتجاه الدفع نحو حلّ يحمي وحدة الدولة السورية، ويكفل لشعبها الحرية والرفاهية التي قدمت لأجلهما العديد من التضحيات.