الفصل الثاني: الثقافة… الحكاية كاملة

كما لاحظنا قبل قليل، فالرؤية التي تقسم العالم إلى مجموعة من الحضارات، تعاني الكثير من الضعف، وذلك لافتقارها للأساس المادي الذي يوضح حدود هذه الحضارات على الخارطة. لكن منذ أن تم التنظير لهذه الرؤية سواء على أساس صراعي بين الحضارات أو على أساس حواري، فإن المستندات التي تستند عليها في تقسيماتها الحضارية كانت مبنية حصرا على الاختلافات الثقافية. فصحيح أن أوروبا مقسمة إلى مجموعة من الدول، لكنها “حضارة” واحدة، انطلاقا من “الثقافة” الواحدة التي تحكم هذه الدول. هكذا، وعبر الاتكاء على البعد الثقافي، يتم تقسيم العالم إلى حضارات. فالسؤآل الذي يبرز أمامنا الآن: إن نحن استطعنا رفض تقسيم العالم إلى حضارات انطلاقا من انعدام الجوانب المادية التي يستلزمها مفهوم الحضارة، فكيف سنتعامل مع التنوع الثقافي الذي بالامكان- اعتمادا عليه – تقسيم العالم إلى مجموعات كبرى؟ وللإجابة على هذا السؤال الإشكالي، والذي يعتبر مرتكزا أساسيا لكافة الاطروحات التي تقسم العالم السياسي إلى حضارات، فإن علينا أن نتفحص وبشكل نقدي مفهوم “الثقافة”.
يعود مصطلح “الثقافة” بجذوره إلى فرنسا، ولأنه تولد في عصر الأنوار، العصر الذي آمن بأن هناك قيما كونية تشمل الجنس البشري كله، فإن المصطلح كان دائما يأتي بصيغة المفرد، إذ لا توجد “ثقافات” وإنما هناك ثقافة واحدة، تشمل البشرية جمعاء… باعتبارها الخاصية الأساسية التي يتميز بها الانسان مقابل ما هو طبيعي فيه. كانت الثقافة في اللسان الفرنسي قريبة جدا في دلالتها من مصطلح “الحضارة”، وكان بالامكان استخدام واحدة مكان الأخري. ولكن، عندما انتقلت هذه المصطلحات إلي اللسان الالماني، فقد تم التمييز بين الحضارة والثقافة، ووصفت بالاولى الطبقة الارستقراطية في المجتمع الالماني باعتبارها طبقة متحضرة، لكنها ليست مثقفة، لأن الثقافة التي تمثل الاصالة والإغناء الفكري والروحي كانت سمة الطبقة البروجوازية. من هذا التمييز الطبقي نشأ أول افتراق بين الكلمتين، ليتحول من المستوى الطبقي إلى المستوى القومي عندما بدأت فرنسا في عصر الأنوار بترويج أيديولوجيتها التي تدعي أنها كونية، فما كان من الألمان الذين لم تنشأ دولتهم القومية بعد، وكانوا متخلفين عن الدول “الحضارية” كفرنسا وبريطانيا؛ ما كان منهم إلا أن واجهوا كونية الأنوار بادعاء وجود “ثقافة ألمانية” تختلف عن الثقافة الفرنسية، وتم التأكيد على خصوصية الثقافات مقابل دعوى كونية أيديولوجيا الأنوار. هكذا بدأ مصطلح “الثقافة” يشق طريقه كمصطلح نضالي تم من خلاله مقاومة فرض أى هيمنة فكرية من قبل الدول “المتحضرة”.(١٣)

ومنذ مطلع القرن التاسع عشر، وبعيدا عن توظيفه أيديولوجيا، بدأ مصطلح الثقافة مسيرته نحو العلمية. فكانت استخداماتها الأولى عندما حاول علماء الاجتماع والاثنولوجيا تفسير وجود الاختلافات بين البشر رغم عودتهم جميعا إلى وحدة واحدة. ولأن علماء هذه العلوم رفضوا تفسير هذا الاختلاف انطلاقا من المقولة العرقية، فلم يجدوا أفضل “الثقافة” كأداة مفهومية يمكن استخدامها لمعالجة هذه المسألة، لكن بعد تفريغها من كل ما كانت تحمله من دلالات معيارية في الصراعات الأيديولوجية السابقة. لم تعد المسألة ماذا ينبغي أن تكون عليه الثقافة، بل أصبحت تتعلق بالاكتفاء بالوصف التفصيلي لثقافة ما. بدأت الدراسات الاثنولوجية بمحاولة دراسة ثقافات الشعوب البدائية، بغية التعرف من خلالها على الثقافة الانسانية الأصلية، وإثبات أنه لا توجد فروقات طبيعية بين الانسان المتحضر والانسان المتوحش- كما كان رائجا في تلك الأيام؛ وإنما كل الاختلاف هو في درجة التقدم الثقافي. كما أنه بمفهوم “الثقافة” قام علماء الاثنولوجيا بنقض كل الاطروحات المتعلقة بالعرق واعتباره أداة تفسيرية للاختلافات بين البشر، وأهمية هذا النقض هو فتح الباب أمام التكيّف الثقافي، وفتح الامكانية أمام انتقال الانسان من بيئة ثقافية إلى أخرى. (١٤)

إن كان مفهوم “الثقافة” تولد في فرنسا، وتم تحويله لمصطلح نضالي وعلمي في ألمانيا وانجلترا، فإن عليه أن ينتظر الانتقال لأمريكا ليستحيل محورا للعديد من الدراسات الأنثروبولوجيا المدعوة “الانثروبولوجيا الثقافية”. والسبب في ازدهار هذه العلوم في الولايات المتحدة إنما يعود لطبيعة هذه الدولة التي تعتبر أمة مهاجرين متنوعين تلعب التمايزات الثقافية بينهم دورا مهما يماثل الدور الذي تلعبه العلاقات الطبقية في المجتمعات الأوروبية. ومن هناك ابنثقت ثلاث تيارات رئيسية: أولها يتعامل مع الثقافة من زاوية التاريخ الثقافي، و”يحرص الثاني على إيضاح العلاقات بين الثقافة (الجماعية) والشخصية (الفردية) ويعتبر الثالث أن الثقافة نسق اتصالات بين الأفراد”(١٥).
ولأن الدراسات تمحورت حول الثقافات التي تدعى بدائية، باعتبارها ثقافات “شبه نقية” وبالتالي تفتح دراستها المجال إلى التعرف على الطبيعة الأصلية للثقافة البشرية والوصول إلى هذه الوحدة التي تجمع كل هذه الثقافات المتنوعة. ما إن تجاوزت الدراسات الثقافية هذه الفرضية، حتى أبدعت مصطلح “التثاقف” باعتباره مبحثا في العلاقة بين الثقافات المختلفة. وفي هذا المجال درست كيفية تداخل الثقافات وكيف تتفاعل مجموعة ثقافية ما مع ثقافة جديدة عليهم، وحاولت هذه الدراسات التحرر من دراسة التثاقف من وجهة نظر تحيزية لصالح الثقافة الغربية باعتبارها غاية التقدم الثقافي، مما حدى بالعلماء لتبيين أن التثاقف ليس قبولا غير مشروط لثقافة جديدة، بقدر ما هو تفاعل حيوي بين الثقافة الأصيلة والجديدة ينتج عبر إعادة تأويل كلتا الثقافتين نوعا من المزيج الحيوي بين الثقافات. أدت هذه الدراسات حول التثاقف إلى تجديد مفهوم الثقافة باعتباره مفهوم ديناميكي، وبأنه لا توجد ثقافة صافية باقية على حالها منذ الأزل، وأن الثقافة لا يمكن أن تفهم إلا من خلال دراسة علاقاتها مع الثقافات الأخرى، لا العكس.(١٦)
هذه لمحة سريعة حول تطور مفهوم “الثقافة” في الفكر الغربي، ويمكن ملاحظة بعض المشاكل التي يعاني منها جراء استخدامه في الدراسات الانثروبولوجية الثقافية وسنكتفي هنا بالتعرض لمشكلتين اثنتين. أول هذه المشاكل هي “الجوهرانية” أي افتراض أن لثقافة ما وجود ماهوي مستقل متعال عن الأفراد أنفسهم، حيث يؤدي هذا التصور عند دراسة العلاقات الثقافية إلى إلغاء الأفراد وابتسار الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلى ظواهر ثقافية، واعتماد الثقافة كأداة تعليلية وتفسيرية لبعض الأحداث والظواهر. ثاني تلك المشاكل هو النظر للثقافة باعتبارها ساكنة وجامدة مما يستسهل الحكم على ثقافة حالية بأحكام استصدرت قبل قرون.
ولأن كان علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع قد حاولوا تجاوز هذه المشاكل التي يعاني منها مفهوم الثقافة، فإن كافة الكتابات التي تناولت موضوعة “صراع الحضارات” وحوارها، إنما تنطلق من هذه المشاكل نفسها التي تعاني منها الثقافة لتبرير الأطروحة النظرية المقدم عليها. فلكي تصبح هذه الأطروحات مبررة، يتم الانطلاق من نظرة للثقافة مشيئة، نظرة تتعامل معها على أنها كل مستقل عن الأفراد الذين يفكرون ويتنقلون ويتحدثون. بعد ذلك يتم التعامل مع هذا الكل المستقل باعتبارها كل مصمت، جامد وثابت، محكوم بمنطق واحد منذ مئات السنين، لم يتغير ولا يتغير. وانطلاقا من هذه الرؤية يستسهل الفرد النظر لخارطة العالم باعتبارها خارطة للثقافات المتنوعة.
إن رفض هذه النظرة للثقافة، لا يعني رفض كون الثقافة عابرة للدول. ولكن يعني بالضبط أن انتشار ثقافة ما في أكثر من دولة، لا يعني التطابق التام أولا، كما لا يبيح استخدامها كأداة تفسير، لأن الدول ومجتمعاتها ظواهر اجتماعية واقتصادية وسياسية في الأساس، وأن التحركات هي تحركات أفراد تتوزعهم المصالح والتضحيات. وفي نص مركز في نقد هذا الاستخدام لمفهوم الثقافة للترويج لأيديولوجية “صراع الحضارات” يقول جورج قرم:

“إن هذه الأيديولوجية التبسيطية هي أيديولوجية منحرفة، لأنها تدل على تخيل للواقع هو زائف ومحدود في آن. صحيح أن الثقافات الغازية تنتشر في النظام العالمي بفضل أحداث سياسية كبرى، مجسدة ظواهر قوة. لكنها ما إن تخرج من قاعدتها الإقليمية والقومية حتى تشهد تحولات تتوقف على درجة قبول هذه الثقافات من قبل حضارات الأمم الأخرى. وغالبا ما يؤدي استعمال ثقافة لأخرى إلى انتاج أنواع من الاختلاط الخاصة، حتى على المستوى اللغوي البحت… لذا فإن الكلام عن حرب حضارات، وتاليا على حرب ثقافات، ليس له أي معنى، منذ أن يدّعي هذا المفهوم، كما هو الحال اليوم، أن العلاقات بين الثقافات على المدى الطويل هي من النوع الجوهراني، أي الذي لا يتغيّر…. إن الاستعمال الكثيف لهذا المفهوم في الخطاب الغربي الراهن هو إذا سياسي إلى حد كبير، فهو يفيد إضفاء الشرعية على الانتشار العسكري وما يرافقه من التدابير السياسية، وهو يسوّغ الحروب الاستباقية/الوقائية الممنوعة في القانون الدولي. إلى ذلك، تتسم إيديولوجية حرب الحضارات بميزة الانطواء على تضمين انفعالي شديد. فمنذ الحربين العالميتين فقدت الحروب التي تثيرها المصالح القومية شرعيتها، فصار الدفاع عن “الحضارة” و”القيم” الغربية بديلا مناسبا جدا…”(١٧).

وفي معرض نقد عزمي بشارة لتبريرات هانتنغتون لازدواجية المعايير داخل الحضارة، حيث يبيح للحضارة أن تتعامل مع موقف من داخلها تعاملا مناقضا لآخر مماثل له من خارجها، وبالتالي يصبح مبررا جدا أن تتعامل الحضارة الغربية مع قضية البوسنة تعاملا مختلفا مع قضية فلسطين، فقط لأن الأولى داخل الحضارة والأخيرة خارجها… أقول: في معرض نقده لهذه الأطروحة، التي يستمر صاحبها بتأكيد أنه لا وجود لأي قيم كونية وأن “الحرية” و”الفردية” وغيرها كلها مفاهيم غربية، بل أكثر من ذلك يقوم هانتنتغتون بوصف المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي وغيره بأنها “أدوات تفرض مصالح الغرب الاقتصادية على الأمم الأخرى”، وأن جميع دعاواها بأنها مؤسسات كونية للبشرية جمعاء ليس سوى “غطاء أيديولوجي”، يتسائل بشارة هنا أمام هذا التصريح المباشر:

“ولكن ما المهم هنا؟ المهم أنه لا يقوم بمهمة فضح علمية لمقولات أيديولوجية وأدوات سيطرة يقدمها الغرب كأنها مصطلحات كونية، بل عملية تباه وتفاخر، بمعنى أنه لا يرى حتى الحاجة إلى الغطاء الأيديولوجي… وهذه تعبيرات عن ثقة بالنفس. الثقة الإمبريالية بالنفس بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تسمح بنشوء تيارات من داخلها تعترف صراحة بأن ما قدم حتى الآن كتعابير كونية هو في الواقع غطاء أيديولوجي. ويقوم هانتنتغتون بإزالة هذا الغطاء ليس في خدمة العلم كما يدعي، بل لأن الإمبريالية في مرحلة الثقة بالذات لم تعد بحاجة إلى أقنعة، وتصوير الصراع كصراع سافر بين حضارات هو مبرر نزع الأقنعة حتى عن ازدواجية المعايير. والسؤال الذي لا يفطن إليه هناتنتغتون هو: ألا يصح أن تكون عبارة “صراع الحضارات” كمقول نظرية، هي أيضا غطاء مثل “صندوق النقد الدولي” و”المجتمع الدولي” و”المجتمع الحر” وغيره لتغطية صراعات نفوذ وقوة واقتصاد. بحيث لا تصح هذه كغطاء إلا إذا اقتنع الناس بها؟ والمقصود هو: ألا يصح أن يقال إن نظرية صراع الحضارات ذاتها هي غطاء أيديولوجي جديد لصراعات مصالح وسيطرة واقتصاد وهيمنة عسكرية؟”(١٨)

وقبل أن نختم هذه الفقرة، نشير إلى ملاحظة طريفة، وهو هذا التحول للثقافة التي بدأت كوسيلة تحمي خلالها الأمم المتخلفة ذاتها من الهيمنة الثقافية التي تفرضها الأمم المتحضرة مؤكدة أصالتها وتمايزها، لتنتهي إلى وسيلة سلطوية بيد الأمم المتحضرة التي تدعي أن قيمها التي هي سبب تفوقها قيم خاصة بها لا يمكن تعميمها، وسيلة سلطوية توصم بها الأمم النامية، وتعاق تنميتها وتحاصر دون تحقيق مصالحها. إن هذا الرواج العالمي لهذه الأطروحات وتقسيم العالم إلى ثقافات وتحليل الظواهر السياسية والإجتماعية بناء على هذه التقسيمات، لهو أمر شديد الخطورة على كل محاولات التجانس والتواصل بين الأفراد، إذ أن كل هذه الأطروحات يجعل الفرد سجينا لهويته الخاصة، هويته التي تمت تنميتها وشحنها وتسييسها من قبل سدنة أطروحات صراع الحضارات ومدارس التفسير الثقافي للحوادث السياسية والاجتماعية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) كوش، دنيس. مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية. ترجمة منير السعيداني. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ٢٠٠٧: ص١٥-٢٧.
(١٤) المصدر نفسه: ص٢٩-٥٢.
(١٥) المصدر نفسه: ص٥٥.
(١٦) المصدر نفسه: ص٨٩-١١٨.
(١٧) قرم، جورج. المصدر نفسه: ص ٣٢٤.
(١٨) بشارة، عزمي. في المسألة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ٢٠٠٧. ص:١٠٩.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *