الفصل الأول: حضارات أم دول؟… هل أصبح العالم أعمى؟

إن السؤال البديهي الذي يطرح على كافة هذا السيل الجارف من الكتابات التي تتناول “صراع الحضارات” أو حتى “حوارها” هو التالي: هل فعلا توجد مثل هذه الحضارات المتنوعة في عالمنا هذا؟
إن أبسط نظرة للخارطة السياسية للعالم تبين لنا أنه مقسم لعدد هائل من الدول المبنية على نموذج الدولة-الأمة (الدولة القومية)، الذي تشكل في أوروبا الغربية وانتشر منها إلى كافة أرجاء العالم على مدى قرن ونصف من الزمان. دول لا يصل درجة الاختلاف فيما بينها إلى مستوى الحديث عن “حضارات مختلفة” يأتي من يدعي أن مجرد الاختلاف الثقافي والديني بينها محرض صراع أو دافع حوار يهدف تفادي هذاالصراع. إنه لأمر غريب جدا هذه الخفة في تجاهل هذا الواقع، واستسهال قبول تقسيم العالم إلى حضارات تصور على أنها كتل مصمتة مستقلة عن بعضها البعض. وباعتقادي أن هناك جانبين رئيسين يعود إليهما هذا الاستسهال: الأو ل عدم وضوح النقلة التي أحدثها تعميم نموذج “الدولة القومية” في كافة أرجاء العالم، وتمييز هذا النموذج عن غيره من النماذج. أما الجانب الثاني، هو تعاظم أطروحات تداعي الدولة القومية، والتبشير بقرب زوالها لصالح الانضواء في كيانات أعظم أو عابرة للقارات، وهي النتيجة التي تم التنبؤ لها كنتيجة طبيعية للعولمة.
كانت الدول القديمة تتردد بين نموذجين تقليدين: إما دولة-مدينة، كآثينا والبندقية، أو دولة امبراطورية تمتد على رقعة شاسعة من الارض كالامبراطورية العباسية والرومانية. سيطر هذان النموذجان- خصوصا الأخير- على الوعي البشري العام، وأثقل كاهل اللغة بحيث أصبحت دلالات لفظ كلفظ “دولة” شديدة الارتباط بهذه النماذج. حتى جاءت اللحظة التي اكتمل فيها تشكل “الدولة-الأمة” (أو الدولة القومية)، ليحدث نوع من الانقطاع والفصل مع تلك النماذج القديمة.
بدأ هذا النموذج بالتشكل في أوروبا الإقطاعية بعد انهيار الجانب الغربي من الامبراطورية الرومانية، وتحديدا عندما بدأ الملك محاولة  اضعاف سيطرة أمراء الاقطاعيات المنضوية تحت مملكته. كانت كل إقطاعية تتمتع بما يشبه الحكم الذاتي- إن جاز استعارة هذا التعبير- وقصة الدولة القومية، هي بالتحديد قصة سيرورة محاولات الملك مَركزة كافة السلطات في نفسه هو ونزعها عن أمراء الاقطاعيات وتحويلهم لمجرد وكلاء له. كان لانتشار المسيحية وبداية تشكل الأفكار اللاهوتية السياسية الكنسية حول السيادة وغيرها، وكذلك حاجة الاقطاعايات لتقوية الحكومة المركزية عن طريق انشاء مؤسسات قضائية مستقلة ومؤسسات جباية تقوم بجمع المال من أجل الدفاع الخارجي، كان كل هذه الأحداث – وعبر سيرورة هادئة وفي ظل هدوء سياسي نسبي- ممهدات طبيعية للتحول نحو نموذج جديد من الدول.(١٠)
لعل من المفارقات أن يكون بداية التشكل الحقيقي للدولة في أوروبا الغربية هو نتيجة غير متوقعة لمحاولة “مركزة النظام الكنسي في أوروبا”. فقبل القرن الحادي عشر كانت العلاقة بين أمراء الاقطاعيات والكنائس متداخلة بحيث كان للأمير صفة شبه دينية ويتدخل في عزل وتعيين موظفي الكنيسة، ولكن ومنذ القرن الحادي عشر رأى البابا أنه من أجل إصلاح المسيحية وجعل أوروبا مسيحية، كان لابد من تحرير الكنائس من السلطة العلمانية (سلطة أمراء الاقطاعيات)، وأن عليها أن تتمركز تحت سلطة البابا. أدى هذا الانفصال الكنسي عن المؤسسات الدنيوية إلى الحاجة لتوضيح حدود هذا الانفصال بين المؤسسة الدينية والسلطات العلمانية، خصوصا أن الكنيسة كانت بحاجة للأمراء الاقطاعيين للقيام بباقي الوظائف السياسية. كان انقسام العالمين – الديني الموحد والمركزي والمسيطر والسياسي المتشرذم والمنضوي تحت الديني- إلى تمهيد الطريق إلى تشكل الدولة الحديثة. كانت المهمة المنوطة بالأمير العلماني هو تحقيق العدل حسب المفهوم الكنسي له. وكان على الأمير من أجل تحقيق هذا العدل أن يطور مجموعة من الشرائع والقوانين وتحسين المستويات القضائية. وبشكل عام كان تطور المؤسسات القضائية والجبائية الداخلية في الممالك الأوروبية يلعب دورا هاما في زيادة سيطرة مركزية الملك على أمراء الاقطاع، خصوصا أن تعقد الاجراءات البيروقراطية وازدياد الموظفين التابعين للملك أدى إلى نشوء مؤسسات مركزية لها فروع في كافة الاقطاعيات بالاضافة لأدوار أخرى لهذه المؤسسات المركزية في تعاملها مع الممالك الأخرى والكنيسة. (١١)
بعد أن توسع نفوذ الملك ومؤسساته في كافة الاقطاعيات، وأصبح ولاء الفرد للدولة أكثر من حاكم الاقطاعية وغير ذلك من التطورات، بدأت الخطوات الأخيرة لاستئثار الملك بالسيادة المطلقة على مملكته، عبر الصراع مع المؤسسة الدينية… وذلك عبر عدة قضايا حساسة: كفرض الضرائب على الكنائس دون موافقة البابوية، ومحاكمة رجال الكنيسة واتهامهم بالخيانة، خصوصا أنهم لم يكونوا يشاركون في الدفاع عن تراب المملكة. أدت مثل هذه القضايا إلى تزايد نفوذ وسيادة الدولة على المؤسسات الكنسية، ومع سيرورة تاريخية طويلة من الحروب الدينية، انتهت في النهاية إلى معاهدة وستفاليا، التي أقرت مبدأ الناس علي دين ملوكهم، الذي أنتج تحركات ديمغرافية كبيرة خلقت نوعا من التجانس المذهبي في كل مملكة، بالاضافة إلى تركز السلطات بيد الملك.
تنامي سيادة الملك، بالاضافة إلى التجانس العرقي والثقافي واللغوي المتصاعد للموظفين، وزيادة قوة تنظيم الجهاز البيروقراطي… كل هذا أدى إلى نتيجتين: السيادة المطلقة للملكية والتي بدأت تستند على نظرية الحق الإلهي في الحكم، وكذلك إلى تنامي الحس القومي. بعد هذا، لم يتبق إلا خطوة واحدة لتتحول الممالك الأوروبية إلى دول قومية، وكانت هذه الخطوة عبر خلع الملك وإحلال الأمة مكانه. هذا ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية أولا، وبشكل دموي في الثورة الفرنسية ثانيا.
في هذا النموذج الجديد كفت الدولة عن أن تكون مجرد سلالة متحكمة في مجموعة مختلفة من الأجناس، لا تتداخل معهم إلا من خلال جبي الضرائب والحروب. تحولت الدولة إلى نوع من الإطار القانوني المنبثق من الأمة نفسها، والذي يتدخل في كافة تفاصيل حياة الفرد. هذا النموذج من الدول ليس له مثيل في السابق ويختلف اختلافا جذريا عن كل ما عرفته البشرية سابقا من تنظيمات سياسية.
عندما تشكلت الدول القومية في أوروبا الغربية على هذا الشكل، دخلت على الفور في صراع مع الامبراطوريات الكبرى الموجودة حولها، كالامبراطورية العثمانية، والامبراطورية الجرمانية والقيصرية الروسية…إلخ. أدى هذا الصراع وما شهده من حروب متوالية، إلى تعميم نموذج “الدولة- الأمة” وتنامي الحس القومي في كافة الأجزاء التي استعمرتها هذه الدول أو دخلت في نطاق تأثيرها. ولم تنقضي الحرب العالمية الثانية، إلا والعالم السياسي مقسم على أساس وحدات سياسية هي الدولة القومية، التي بناء عليها تشكلت منظمة الأمم المتحدة.
بعد انهيار الكتلة الشرقية ونهاية الحرب الباردة، تعرض هذا النموذج من الدول لنوع من المراجعات التي تنبأت بانهياره في زمن العولمة. وذلك بسبب تعاظم دور الشركات العابرة للقوميات، وتعاظم منظمات القطاع الثالث العابرة للقوميات، وتعاظم دور المنظمات الحكومية الدولية والتي تحررت من سلطة الدولة القومية وبدأت تقوم بأعمالها من فوقها. أدى التركيز على أدوار هذه المؤسسات إلى التنبؤ بانتهاء عهد الدولة القومية، بل إن أكثر الآراء تحفظا يستنتج نوعا من التكامل في الأدوار بين هذه المؤسسات والدول القومية. (١٢)
بعد هذه الجولة الطويلة في الخوض بتفاصيل الدولة القومية وتوضيح مدى تمايزها البنيوي عن غيرها من الدول القديمة، وعلى محوريتها في النظر إلى عالمنا السياسي اليوم، نستطيع أن نفهم لماذا هذا الحديث عن الحضارات بدلا من الحديث عن الدول. إن المسألة برمتها ذات أبعاد سياسية واقتصادية. فالدولة القومية التي كانت في ما مضى مقدسة الحدود، أصبحت اليوم بعد وصول الرأسمالية للطور العولمي عائقا في وجه الشركات المتعددة الجنسيات للوصول لأسواق جديدة. من هنا ظهرت أيديولوجية العولمة، والقرية الصغيرة والتركيز على المؤسسات العالمية كمنظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات التي توفر لهذه الشركات مسوغات للإفلات من سلطات الدول القومية وسياداتها. إن كل هذا الحديث عن الحضارات والعولمة، يخفي في داخله هذه المحاولات لتهميش دور الدولة القومية ومفاهيم سيادتها.
في الخريطة هناك دول قومية، ولا مسوغ لمن يغمض عنها عينيه ليرى عوضا عنها مجموعة من الحضارات سوى أحد أمرين: إما استبطان رغبة في تهميش وجود ودور هذه الدول القومية من أجل مصالح وأطماع عولمية، أو الانطلاق من تصور تسطيحي لمفهوم الثقافة التي تبنى عليها هذه التقسيمات الحضارية المتجاوزة للدول القومية. لهذا كان لابد من مراجعة هذا المفهوم الأساسي والجوهري في كل الأطروحات التي تتناول أي حديث عن حوار الحضارات وصراعها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) شتراير، جوزيف. الأصول الوسيطة للدولة الحديثة. ترجمة محمد عيتاني. بيروت: دار التنوير، ١٩٨٢: ص١١-٢٠.
(١١) المصدر نفسه. ص:٢٥-٥٦.
(١٢) ناي، جوزيف. دوناهيو،جون. (محررون). الحكم في عالم يتجه نحو العولمة. ترجمة محمد شريف الطرح. الرياض: العبيكان، ٢٠٠٢.

تعليق واحد على الفصل الأول: حضارات أم دول؟… هل أصبح العالم أعمى؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *