خاتمة: في البحث عن السلام والحوار

سرنا في هذا البحث في ما يشبه حقل الإلغام من المفاهيم الملتبسة والتي يتم تناولها وتسطيحها بسهولة، شبكة من المفاهيم يتم عبر تركيب بعضها فوق بعض تسويغ أطروحة “حوار الحضارات” أو صراعها. يمكن الآن بعد تبيين عدد من المفاهيم كالحضارة والثقافة والدولة القومية والهوية، أن ننظر لمثل هذه الأطروحات باعتبارها “أيديولوجية” أكثر منها دعوة أو نبوءة سياسية. واعتبارها أيديولوجية يعني أنها بناء مفاهيمي يهدف إخفاء مشروع سياسي اقتصادي اجتماعي عالمي، يتمثل هذا المشروع بمحاولة فرض هيمنة غربية- أمريكية تحديدا وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي- على العالم، ومحاولة تهميش وإضعاف العقبة الأساسية أمام فرض هذه الهيمنة تحت مظلة العولمة، وهي “الدولة القومية”.
قد تكون هذه النتيجة مصادمة ومحبطة للمتحمسين للحوار والساعين إلى السلام عبر المؤتمرات والندوات العالمية، لكن يمكن مواساة هذا الإحباط عبر مسألتين: الأولى، أن هذه النتيجة لا تعني أن السلام مستحيل التحقق في هذا العالم، وإنما فقط البحث عنه عبر هذا الطريق هو تضييع للجهود ومخادعة للنفس. إن السعي من أجل تحقيق السلام في العالم يبدأ من فهم هذا العالم، فهمه بطريقة واضحة تكشف شبكة المصالح والقوى الفاعلة فيه والمؤثرة سلبا على تحقيق هذا السلام. إن العالم ليس مثاليا، وبالتالي لا يذعن للحق بقدر ما يذعن للمنفعة والقوة. والاقتناع بهذا، يفتح الطريق نحو التفتيش عن صيغة تمنع أي تعارض بين الحق والمنفعة، وتطوع القوة لخدمتهما.
أما المسألة الثانية، وهي متعلقة بمسألة الحوار. فالحوار يكون بين أفراد يحملون مجموعة من القناعات والرؤى الخاصة بهم، لا بين ثقافات أو حضارات لا وجود موضوعي لها إلا من خلال هؤلاء الأفراد. والحوار ثانيا لا يشترط أرضية مشتركة، أو إطارا مرجعيا موحدا حتى يكون مثمرا أو ناجحا. وهذه هي الأطروحة التي تناولها يوما الفيلسوف الألماني كارل بوبر.
ينطلق بوبر في مقالته “أسطورة الإطار” (٢٤) من انزعاج من اللاعقلانية التي تبرر نفسها باعتماد النسبية، أي اعتبار الحقيقة بالنسبة لمرجعيتنا ممكنة كما هي ممكنة بالنسبة لمرجعية أخرى. والتي تشترط شروطا لإمكانية التفاهم بين البشر، شروط تتشكل كإطار مرجعي بالاتفاق عليه يكون التفاهم ممكنا. يسلم بوبر ابتداء بأن الحوار سيكون عسيرا عندما تختلف الأطر، وأنه سيكون سلسلا ولطيفا ان كانت كمية الأمور المتفق عليها عالية. لكن ما يجادل فيه بوبر هو أنه كلما كانت الأطر المشتركة متباعدة ومختلفة كان هذا محرضا على نقاش مثمر.
ينطلق بوبر في تقريره إمكانية تجاوز الهوة بين الثقافات المتباعدة والمتحاورين ذوي الأطر المتباعدة في رحلة  في أعماق الفكر الغربي، والذي يرجعه إلى مجموعة من الصدامات بين أنساق حضارية وفكرية مختلفة أشد الاختلاف: يونانية ورومانية وفينيقية ويهودية واسلامية وجرمانية…إلخ. وكذلك يتتبع الصدامات التي انبثقت منها ما يدعوها “المعجزة الاغريقية”. يريد بوبر من هذا التتبع التاريخي تأكيد أن الصدامات بين الأنساق المتباعدة، قد يؤتي ثمارا بحجم المعجزة الإغريقية.
إن العلم مبني على المناقشة النقدية، والمناقشة النقدية لا يستفزها إلا الصدام مع الأطر المختلفة. يكرس بوبر عددا من الصفحات لإثبات هذه القضية، التي تحول الإختلاف والتباعد من كونه مانعا للتفاهم إلى أحد أهم منابع المناقشة النقدية، التي هي بدورها أهم سمات العلم.
يصف بوبر المناقشة النقدية بقوله: “المناقشة النقدية بهذا المغزى نادرة الحدوث، لكنها مثل أعلى هام، ويمكن أن نتعلم الاستمتاع بها.إنها لا تهدف الارتداد عن المعتقد، وتوقعاتها متواضعة: يكفي جدا، وفوق الكفاية، إذا شعرنا أننا نستطيع رؤية الأشياء في ضوء مستجد أو أننا اقتربنا قليلا من الصدق/الحقيقة”(٢٥).
وفي مرافعته الطويلة ضد النسبية التي ترفض وجود حقيقة موضوعية، وإنما مجموعة من الحقائق مرتبطة بالاطار المرجعي للفرد أو الجماعة يشير بوبر إلى أن التعلم من الآخرين والاستفادة من تجاربهم في القضايا التي تهمنا جميعا، كقضايا العدالة والحرية وغيرها، لهو أمر شديد الأهمية، ولا يوجد أي معنى  لإهمال ما لدى الآخرين انطلاقا من كونه حقيقة أخرى نسبية مخالفة لحقيقتنا.
وأخيرا، يتحدث بوبر عن تجربته الخاصة في النقاش مع طلابه القادمين من مختلف أجزاء العالم. وفي معرض حديثه يؤكد على أن النقاش النقدي لن يكون مثمرا طالما أن هناك طرف يعتقد أنه أعلى من الاخر، إن مساواة المتحاورين لهي أمر ضروري لإمكانية التفاهم بين طرفين ينطلقان من أطر وخلفيات متباينة.
في المقالة جوانب كثيرة من اللفتات الرائعة، لكن لماذا أقوم باستعراضها الآن؟
والجواب على هذا السؤال هو أن هذه الروح والرغبة الشديدة في كسر كل العوائق التي تمنع التواصل بين البشر والتفاهم والنقاش النقدي، هي الروح التي لابد لكل حوار أن يتزيّا بها. فلا معنى لأي حوار يبدأ من مسلمة الاختلاف والتمايز، إن الحوار يقوم أصلا على أساس أنا هناك ثم ما يجمع البشر، وبالتالي مهما كان الاختلاف ومهما احتد، فإن هذا الذي يجمعنا سيساعدنا على أن نفهم بعضنا البعض، وعلى أن نصل للحد الأدنى من التعاون والتعاضد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) بوبر، كارل. أسطورة الإطار. ترجمة يمنى الخولي. الكويت: عالم المعرفة،٢٠٠٣.
(٢٥) المصدر نفسه: ص ٧١.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *