ماذا لو أن إدوارد سعيد لم يكن إدوارد سعيد؟ / طارق الحيدر

يطرح عبدالله الرشيد في مقالته “هل كان ادوارد سعيد قصة عاطفية عند العرب؟” الأسئلة التالية: “هل لو كان ادوارد متجرداً من مواقفه وانتماءاته السياسية العربية–غير مهتم أو مكترث بالشأن الإسلامي و القضية الفلسطينية– سيحظى بذات المكانة التي يحظى بها اليوم؟ هل ساهمت تجربته النضالية، و مواجهته للثقافة الغربية في إعطاء مشاريعه و مؤلفاته مزيدا من الوهج و الزخم؟”

يختصر الرشيد موقفه من هذه الأسئلة في ختام مقالته حين يقول: “أسئلة كثيرة تستحق أن تُطرح من جديد أمام  تراث شخصية ذات تقاطعات كثيرة لم يُفصل بينها بوضوح، في التعاطي و التحليل و النقاش، يطغى جانب على جانب، و تضلل العاطفة على العقل، و يعلو صوت الوجدان و المشاعر.”
وجدت صعوبة في البداية في فهم سؤال الرشيد، حيث إن أي ناقد أو أديب أو مفكر سيجد قبولاً لدى الناس لأسباب مختلفة. فقد يهتم البعض –عرباً كانوا أو عجماً– بنعوم تشومسكي على سبيل المثال بحكم إسهاماته في اللغويات أو اللسانيات، بينما قد يقرأه آخرون لمواقفه من القضية الفلسطينية، أو من أجل نقده للامبريالية، أو كتاباته حول دور الإعلام في تطويع المواطنين، أو الإرهاب، أو كلها أو بعضها أو غير ذلك. لكن لو تساءل أحدهم: “لو كان نعوم تشومسكي مؤيدا للامبرالية، فكيف ستكون مكانته عند الناس؟” فلن يكون لتساؤله معنى، فكأنه يسأل “ماذا لو أن تشومسكي لم يكن تشومسكي؟”. و قد يقرأ البعض لغازي القصيبي من فرط إعجابهم بشِعره، بينما يستمتع آخرون بحسه الفكاهي اللاذع، فيما تستزيد فئة ثالثة من رواياته التي تُسلّط الضوء على سياسات دول و تغيّب السياسة في دول أخرى. و لو سأل نفس صاحبنا الأول و هو يعقد حاجبيه: “و لكن ماذا لو أن غازي القصيبي كان عبدالرحمن منيف؟” فسنكتفي بابتسامة مشفقة. على نفس المنوال، لا معنى أن نسأل: “لو أن ادوارد سعيد كان تركي الدخيل أو ماجد عبدالله أو بطرس بطرس غالي، فهل  سيحظى بنفس المكانة؟”
الأهم من كل ذلك أن مقال الرشيد–و يا للمفارقة!– تعتمد أطروحته على فكرة دحضها ادوارد سعيد نفسه قبل ٣٥ عاما، حين نشر كتابه الأهم “الاستشراق”. و الأعجب أن الرشيد أشار (دون أن يدري) إلى هذه المفارقة حين اقتبس من ذات الكتاب في قوله: “يلخص سعيد بأن الدارسين الأوروبيين قاموا بوصف الشرقيين بأنهم ”غير عقلانيين، و ضعفاء و مخنثين، على عكس الشخصية الأوروبية العقلانية و القوية و الرجولية.” إذ أن الأسئلة التي يطرحها الرشيد تقوم على ثنائية العقل/العاطفة، و تضع “العرب” (الذين يبدو أن الرشيد يتعامل معهم ككتلة متجانسة) في خانة العاطفة. هذا الفصل بين العاطفة و العقل لا يستقيم. لا يوجد عقل بلا عاطفة و لا عواطف بدون عقل. لا أقصد بأن العقل يكمّل العاطفة أو العكس. أقصد أن العاطفة و العقل مفهومان متداخلان بحيث لا يمكن الفصل بينهما بالشكل الذي يريده الرشيد. لكن حين يزعم الرشيد بأن علاقة “العرب” بإدوارد سعيد مجرد “قصة عاطفية” يعلو فيها صوت الوجدان و المشاعر و “تضلل العاطفة على العقل،” فإنه مجرد يردد ذلك الخطاب الذي يصور العربي العاطفي كصورة معاكسة للغربي العقلاني. و كان بودي أن أرد على هذا الطرح، لولا أن ادوارد سبقني لذلك بخمس و ثلاثين عاما.

تعليق واحد على ماذا لو أن إدوارد سعيد لم يكن إدوارد سعيد؟ / طارق الحيدر

  1. @righteous_a قال:

    اتفق معك. و أُضيف أن كتاب الاستشراق بموضوعه و بمضمونه ككل إجابة على تساؤل الرشيد الضحل ، لأن هذا الكتاب بالذات أسس لإدوارد سعيد المفكر المهموم بانعكاسات السياسة على الثقافة، المفكر الذي يناصر القضية التي يؤمن بها فكريًا/ معرفيًا بكتاب ذي نفس طويل و حجة بالغة تثبت الاجحاف و العور الذي يعتري النظرة الغربية تجاه الشرقي /الآخر. إذن لا تستطيع أن تفصل نضال إدوارد سعيد السياسي بالمواقف عن ذاك المعرفي (حيثُ جوهر مكانته و مبررها عندنا متعلق بالمضمون المعرفي الذي قدمته كتبه). أن تتعامل مع إدوارد سعيد كمجرد أستاذ أدب مُقارن عادي، ذو تاريخ نضالي و يشهد رغم أنه مسيحي بأن جذوره الثقافية تعود للثقافة الإسلامية فمعناه أنك لا تعرف قيمة إدوارد سعيد العلمية بكل بساطة.

    بشكل عام لا يجيد عبدالله الرشيد صياغة أسئلة ناضجة و غالبا ما أجد سطحية و ضحالة في الإجابة التي يجيب بها على تساؤله الأول في مقالاته.
    اقتنعت أنه ليس مفكرًا، منذ سنة و نصف تقريبا و من خلال متابعة مقالاته.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *