مدن ضد الفرد!

قبل أيام كنت مسافرا إلى هونج كونج، ومن بين جميع الأشياء التي هالتني هناك، هالني صوت جرس كان قريبا من إشارة مرورية ما. وهو جرس مخصص للعميان، بحسب سرعة تكاته يستطيع الأعمى أن يعرف متى يقطع الشارع ومتى لا يقطعه. وعند كل المباني والمنتزهات والمتاحف التي ذهبت إليها، كانت هناك أبواب ومسارات ومرافق خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة. باختصار: كانت المدينة هناك مهيئة لأن يعتمد ذو الاحتياجات الخاصة على نفسه، دون أن يحتاج لشخص آخر… لأن يكون فردا مستقلا.
بالمقابل، المدينة السعودية ليست فقط غير مهيئة لأن يعيش ذو الاحتياجات الخاصة فيها باستقلال، بل هي أيضا غير مهيئة للطفل والشيخ والمرأة الاجنبي، بل يمكن أن نقول: أنه لا يستطيع العيش منفردا في المدينة السعودية إلا الذكر السعودي الذي يتراوح عمره ما بين الثامنة عشرة والستين. فالمواصلات، والسكن، وتنفيذ المعاملات الرسمية وغير الرسمية، تشترط وتفترض غالبا وجود هذا النوع من الذكور.
طبعا هذا لا يعني أن الشيوخ والاطفال وذوي الاحتياجات الخاصة لا يجدون أي نوع من الرعاية، لكن يعني أن الرعاية التي يحظون بها تأتي غالبا من الجماعة العضوية القريبة من الفرد، أي من أسرته. هذا يعني أن الفارق بين المدينة السعودية والمدن الحديثة الأخرى هو عدم التركيز على قيمة الفردانية. فمن يطالع مدننا يخطر بباله أن مهندسها لم يضع في رأسه إلى خدمة نوع واحد من الأفراد وهو صاحبنا الذكر. وبسبب ذلك تصبح مدينة هائلة الحجم كالرياض، عند إمعان النظر والتركيز فيها، ليست سوى تجمعات عشائرية ومناطقية متداخلة مع بعضها. فهي ليست مدينة مجموعة من الافراد المستقلين، بقدر ما هي مدينة مجموعة من القبائل والعشائر والأسر. فالعشيرة أو الأسرة، لا الفرد، هي وحدة التكوين الأساسية في مدننا.
إعلاء قيمة الفردانية هو أحد مرتكزات  اللبرالية، وأحد أهم القيم الحضارية الحديثة. ولكن، على الرغم من كون استقلال الفرد عن جماعته العضوية وضرورة تعامل الدول الحديثة معه مباشرة دون ربطه بأي فرد آخر مطلب تحديثي أساسي؛ إلا أن هذا الاستقلال الحقوقي والمدني، ارتبط معه نوع من العزلة الاجتماعية والاغتراب. عزلة من نفس النوع الذي تشعر به الاسر السعودية، فكم من اسرة هي جارة لأسرة أخرى، لكن لا وجود لأي نوع من التواصل بينهما؟ تعميق الفردانية، سيمد هذا الانعزال والاغتراب ليجعله يتغلغل داخل أعضاء الأسرة الواحدة.
وهذا الارتباط بين الاستقلال الحقوقي والانعزال الاجتماعي، يجعل اختيار أحد طرفي المعادلة تضحية بالآخر. ويمكن صياغة المشكلة بطريقة أخرى: عندما يعيش الفرد كعضو داخل جماعة عضوية، كالأسرة والقبيلة، فهذا يحقق له الأمان على الرغم من كونه يصادر له بعض حرياته الفردية. أما عندما يستقل الفرد عن جماعته، فإن هذا يحقق له مع الحريات الكثيرة التي سيحظى به، شعورا بالخطر والانعزال.
ولكن هل فعلا لا يوجد إلا هذين الخيارين فقط؟ ألا يمكن الحفاظ على حد أدنى مقبول من العلاقات الاجتماعية التراحمية بالاضافة إلى تحقيق أعلى حد من استقلالية الفرد الحقوقية والمدنية؟
لا أعرف حقيقة إجابة على هذا السؤال. لكن ما أعرفه جيدا، أن المدن تعبر عن نظرة مجتمعاتها للحياة. ومدننا تعبر بشكل فاضح عن التمييز الذي يتعرض له كل من المرأة والأعمى والشيخ والطفل، بل يمكن القول أنها مدينة أسرة يحتل فيها الذكر المركز، بوصفه عائلا، وناقلا، ومصدرا للهوية والحقوق…إلخ. وبقاءها على هذه الحال يجعل منها عائقا رئيسيا نحو التحول إلى مجتمع يتمتع فيه الفرد السعودي، بكافة حقوقه “بصرف النظر عن لونه ونسبه وجنسه وصحته ومذهبه..إلخ”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *