في مسألة السينما!

“إن نفوسنا تفسد بمقدار تقدم علومنا وفنوننا إلى جهة الكمال”… لم تخرج هذه المقولة من فم شيخ قابع في أحد خبوب نجد. بل نطق به الشخص نفسه الذي كتب “العقد الاجتماعي”: إنجيل الثورة الفرنسية، ونقطة التحول الأولى إلى هذا العالم الذي نعيش فيه… إنه جان جاك روسو. كانت هذه المقولة جزءا من خطابه الذي شارك فيه بمسابقة عن علاقة الفنون بالاخلاق، وفاز برأيه المجرّم كليا للفنون بجائزة تلك المسابقة. ولما أن سعى بعض الفرنسيين، كدالمبير وفولتير، لفتح بعض المسارح الهزلية في جنيف، بادر روسو لحماية مدينته بشن حملة على المسرح والفن والتمثيل. أحد أهم الحجج التي يطرحها روسو لنقض الربط بين الفن وتهذيب النفس وتحسين الخلق، هو أن أثر هذه الفنون مؤقتة ويفارق صاحبه قبل مفارقة هذا الأخير عتبة المسرح. ومن ضمن ما استدل به في محاججته قصة ذلك المسكين فالريوس، الذي اوقعت به عند امبراطور ما امرأة ذات نفوذ ضخم تدعى “مسالين”. قام فالريوس بالدفاع عن نفسه، فقال كلاما بليغا عذبا رقيقا، استمال بواسطته قلب الامبراطور. بل إنه استمطر دموع مسالين نفسها، التي اداركت نفسها وخرجت من القاعة قليلا، لتعود بعد ذلك، وبرباطة جأش، لتؤكد اتهامها… الذي قتل لأجله فالريوس. يقول روسو بعد هذا التعليق “ما وقع نظري على متفرجة أبكاها التمثيل إلا ذكرت دموع مسالين وهذا البائس فالريوس الآسيوي”. ولعل في هذه القائمة من الحجج التي أدلى بها روسو: زادا كافيا لكل من يريد فك الارتباط للدعاية التي يتم ترويجها عن استحثاث السينما للأخلاق وتهذيبها للنفوس… وعكس الصورة لتكون السينما محرضا على عكس الدعوى الرائجة. ولكن، لابد من التعامل مع كلام روسو بحذر، فهو وإن كان عاما إلا أنه لا يتجاوز محيطه ووسطه. فالمسارح التي انتقدها، مسارح هزلية كانت تقام للحديث عن قضايا محلية تتعلق بالوسط المحيط غالبا.
صناعة السينما تختلف عن كل هذا، فهي صناعة أشد تأثيرا وأفضل امكانيات، وهي عابرة للقارات، وتصدّر من أكثر البلدان تقدما لتعرض انماط سلوكه وحياته وتقنياته للبلدان المتخلفة. فإن كان الامريكي يرى في السينما واقعا يعيشه، فإن المتخلف يرى فيها حلما يسعى إليه. وهكذا تحولت السينما إلى سلطة استخدمت في سياسات تحسين الصورة الأمريكية، وأحد أهم أشكال تبدي ما اعتبره الاكاديمي الامريكي جوزيف ناي بالـ “قوة الناعمة” لأمريكا، القوة التي من خلالها تستطيع الولايات المتحدة فرض نمط سلوكها في الحياة وقيمها على العالم كله، عبر سلطة مشوقة يسعى للحصول عليها هذا العالم نفسه، دون أن تتكلف عناء تبرير استخدامها والتلويح بها.
كنت قد اقتبست روسو، لإيضاح أن رفض الربط بين الفن وتهذيب الاخلاق، ليس وجهة نظر صحوية بالضرورة، بل إن هناك حركات نسوية نذرت نفسها لمحاربة الخلاعة في وسائل الاعلام ايمانا منها بما يعكسه ذلك على المتلقي من نظرة تختزل المرأة في جسدها، ويحولها لمادة استعمالية ليس إلا. شخصيا لا أعتقد أن السينما تملك تأثيرا كبيرا ومباشرا على السلوك يطغى على تأثير الوالدين والمدرسة والاعلام الموجه. لكن، ما أعتقده أن السينما الهوليودية، بالطريقة التي تروج فيها للقيم الامريكية، ونمط الحياة الاستهلاكية، تملك طاقة تأثيرية عالية جدا. يستطيع أي فرد ملاحظتها بمقارنة سلوك من يتابعها وآخر يتابع السينما الهندية وثالث يتابع السينما المصرية…
صحيح ما ذكره نجيب الزامل أن المسألة ليست مسألة: نسمح أو لا نسمح بالسينما. فعبر محلات الفيديو والفضائيات ومحلات المقاهي التي تعرض أفلاما ومباريات في شاشات كبيرة مما يسمح لنا بالحديث عن سينما “مقنعة”، عبر هذا كله تروج الافلام. فالأفلام موجودة في مجتمعنا أكثر مما نتصور، ولي أصحاب تكاد تختصر حياتهم في تتبع جديد هوليوود من افلام ومسلسلات… وبالتالي – وبسبب اقتصارهم عليها- تتحول هذه المواد الفنية بالإضافة لقدرتها الفائقة على الترويج لقيم وانماط متأمركة، تتحول إلى “مصادر معلومات”… يتعرف عبرها الفرد على تاريخ غاندي، وقصة طروادة، وآلام المسيح…إلخ، ويقع في تنميطها للآخر غير الامريكي، فتنحصر رؤيته للفيتنامي والروسي والفرنسي والصيني، بالرؤية التي تقدمها تلك الافلام المنمطة تنميطا يحط من شأن هذه القوميات والعرقيات.
وما دعى إليه عبد العزيز قاسم من استثمار للتجار في هذا المجال لخلق أفلام “إسلامية”، هي دعوة تقوم على خلفية تجربة قناة المجد، التي تعتبر “ناجحة”. وأعتقد أن في الأمر تفاؤل كبير، فمن هم جمهور المجد؟ هم جمهور لا يرى سوى المجد، ولم يعرف الفضائيات إلا مع المجد، وبالتالي لا وجود للمنافسة… فلا أعتقد أن نسبة كبيرة من جمهور القنوات الأخرى قد تخلى عن تلك القنوات لصالح “جودة” ما تقدمه المجد، وقدرتها على المنافسة. وإن كان مثل هذا الجمهور موجودا، فأنا أعتقد أن تحوله الى المجد كان انطلاقا من تدينه، لا لتفوق ذاتي في نفس القناة.
الفن لا يفسد الأخلاق بالضرورة، كما أنه أيضا لا يهذبها. وعوضا عن خوض المعارك في تقويض فن أو تهذيبه أو تحديده وتأطيره، أرى أن الواجب إنتاج أفراد يتمتعون بقدر عال من الاستقلالية، بحيث لا يقعون فريسة سهلة لسلطة الصورة… فالقضية تربوية أولا وآخرا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *