خطاب الممانعة وفيلة التدخل الروسي-الإسرائيلي

فيل في غرفة

كتب القاص الرمزيّ الساخر الروسي إيفان كريلوف قصة بعنوان ”الرجل الفضولي“. تتحدث القصة عن رجل دخل إلى متحف، ثم أخذ يتجوّل فيه كغيره من الزوّار، إلا أن ما كان غريبا فيه، وما ميزه عن غيره، هو أنه لم يلفت انتباهه إلا الأشياء الصغيرة في المتحف. وسبب الغرابة هو أن عيناه تعامت وتجاهلت فيلا كبيرا قابعا وسط المتحف. من هذه القصة، تشكّل المثل القائل في اللغة الإنجليزية (فيل في غرفة)، للإشارة للقضية المركزية والرئيسية التي يتم تجاهلها- بقصد أو بدون قصد- ممن يحاول التركيز على الجوانب التفصيلية والهامشية.

رفض التدخل الروسي

كان من بين المواقف والتعليقات العربية التي تشكلت بعد إعلان روسيا عن دخولها المباشر للحرب في سوريا، موقف أعتبر التدخل الروسي كاشفا عن تناقضات المدافعين عن ما يسمى بـ”محور الممانعة“. حيث ركّز متبني هذا الموقف على نقطتين رئيسيتين:

١- أن التدخل الروسي يكشف تناقض (الممانعين) في تأييدهم للتدخل الروسي في نفس الوقت الذي يقدمون أنفسهم ك(ممانعين) للتدخلات الخارجية في المنطقة.

٢- تتعلق هذه النقطة بالتنسيق العسكري الروسي-الإسرائيلي وكيف أنه يكشف عن تناقض الممانعين في كونهم يقبلون- أو على الأقل يصمتون- أمام هذا التنسيق رغم دعواهم بأنهم (يمانعون) أي نوع من التقارب أو التحالف مع من ينسق عسكريا مع العدو الصهيوني.

فيلة رضا البوري

وأمام هذه الانتقادات قرر رضا البوري، وهو أحد المدافعين عن خطاب الممانعة، نشر مقال طويل بعنوان (كشف المستور حول التنسيق بين روسيا وإسرائيل). في هذا المقال، لم يشابه البوري بطل قصة (الرجل الفضولي) في تجاهل فيل واحد وسط الغرفة، بل في تجاهل فيلين اثنين. وذلك لأنه اختار مناقشة دعوى تفصيلية هامشية واحدة فقط، وهي دعوى أن التنسيق العسكري الروسي-الإسرائيلي إنما هو موجه ضد الثورة والثوار، متجاهلا القضايا الرئيسية في الموضوع.

فهو من جهة تجاهل الحديث عن التدخل الروسي بوصفه تدخل خارجي من قوة دولية، وكيف يوفق بين مباركة النظام وحزب الله (الممانعين) لهذا التدخل رغم أنه يعارض أحد مسلمات خطاب الممانعة الرافض للتدخل الخارجي. وعوضا عن الحديث عن هذا الموضوع، اختار نزع المصداقية عن جميع من يدينون هذا التدخل، معتبرا أن هؤلاء جميعا (بلا استثناء) كانوا في يوم ما قد أيدوا التدخل الخارجي. وهذا ليس ردا، بل هروب، إذ أنه من الممكن أن نتفق مع السارق في أن شخصا غيره سرق إذا قدم أدلة قوية على ذلك، فحقيقة أنه سارق لا تؤثر على قوّة دعواه وأدلته. وهؤلاء (وهم مجهولون، ولا نعلم لماذا لا يسمي الناقد منقوديه، حتى نعرف على الأقل هل فهمهم بشكل صحيح أم أنه يخترع رجل قش خاص به) الذين يناقشهم البوري حتى وإن كانوا منافقين في تعاطيهم مع موضوع التدخل الخارجي، فهذا غير مؤثر على دعواهم طالما أنهم يقدمون حججا.

أما الفيل الثاني الذي تجاهله البوري، فمرتبط أكثر بحديثه عن التنسيق الروسي-الإسرائيلي. فهو قد غضّ طرفه عن كونه تنسيقا على المستوى العسكري، وأنه متعلق بتنسيق العمليات العسكرية الجوية بين الطرفين فوق الأراضي السورية. وهو لم يبد أي اعتراض ضد ما يقتضيه هذا من اعتراف للروس بحق الصهاينة بأن يقوموا بأي عملية جوية يريدونها على الأراضي السورية ضد من يهدد مصالحهم. وأن هذا بحد ذاته يعني أن النظام الممانع وحليفه الحزب الممانع قبلا التحالف مع من ينسق مع عدوهم الصهيوني عملياته الجوية فوق الأراضي العربية السورية.

التفاصيل الهامشية

تجاهل الكاتب كل هذا، وكتب مقالا طويلا ينفي فيه دعوى تفصيلية هامشية وهي أن هذا التنسيق العسكري الروسي-الإسرائيلي ليس ضد الثوار، وإنما هومن أجل تنسيق ضربات إسرائيل ضد حزب الله. وإن سلمنا له بهذا، فهذا لا يلغي أن هناك تنسيقا عسكريا تشكّل لمأسسة ضربات الصهاينة على الاراضي السورية يتناقض مع المبرر الرئيسي لوجود محور الممانعة بوصفه محورا ضد اسرائيل. كما أن تسليمنا بذلك يدل على فشل استراتيجي لمحور الممانعة الذي يعلن أن عدوه اسرائيل، ثم يذهب للتحالف مع دولة تنسق عسكريا مع اسرائيل حول كيفية توجيه الأخيرة لضرباتها ضد أحد مكونات هذا المحور.

ولكن لماذا نسلم بذلك؟ هل قدّم البوري أدلة قويّة تثبت هدف التنسيق وغايته؟ إن كل الأدلة التي أوردها هي تصريحات دبلوماسية، اقتباس من وزارة الخارجية الصهيونية تارة، واقتباس من ضابط صهيوني تارة أخرى، واقتباس من بوتين ثالثة أخرى. فدليله هو التصريحات الدبلوماسية، والتي يعرف الجميع أنها تتراوح بين كونها كذب يهدف لكسب شرعية ما عند المتلقين الخارجيين والداخليين أو بعث إشارة ما إليهما، أو أنه مجرد لغو لا قيمة له.

تخيّل أحدا راح يفتش عن سبب الغزو الأميركي للعراق من التصريحات الدبلوماسية والرسمية للإدارة الأميركية؟ ما سيجده يترواح بين تدمير أسلحة الدمار الشامل وجلب الديمقراطية ومحاربة الإرهاب. هل نصدق ذلك مستدلين عليه بواسطة التصريحات الدبلوماسية؟ بل إن التدخل الروسي نفسه يقول أن هدفه محاربة الإرهاب، لكنه على الأرض يهاجم كل فصائل المعارضة السورية، فهل نغلق أعيننا عن ما يفعله ونكتفي بالتصريحات باعتبارها دليلا؟

خاتمة

إن أقصى ما يمكن قوله هو أننا نجهل مدى وعمق التنسيق العسكري الروسي-الإسرائيلي، وكل ما نعلمه هو أن هذا التنسيق ليس لمنع الضربات الاسرائيلية على الاراضي السورية، بل لمأسستها وتنظيمها، وهذا بحد ذاته يجعله مرفوضا ومدانا لكونه تدخلا خارجيا ولكونه تنسيقا مع الصهاينة ضد أراضي العرب ومصالحهم.

أما بما يتعلق بمقالة البوري، فإنها للأسف الشديد ركزت على كشف المستور عن تفاصيل التنسيق الروسي-الإسرائيلي، وحرصت أشد الحرص على تجاهل وستر الفيلين الكبيرين وسط الغرفة، وهذا بحد ذاته تأكيد على التناقضات التي يعاني منها من يحاول التوفيق بين مبادئ الممانعة وسلوك محوره المزعوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *