عن “اليوم الوطني”

-١-

ليس التاريخ هو الماضي، بل هو “صناعة الماضي”. ومثله مثل أي صناعة، فإن فيها أطماع وغش وخداع وصدق ونزاهة.

تحدث أحداث في الماضي وهذه الأحداث بعشوائيتها وتداخلها وتتابعها تشكل بمجموعها ما أقصد به عندما أقول “الماضي”. هذا الماضي لا معنى له، متشظي، مفتت ولا متناهي في سعته وتنوعه. وبسبب هذه الآفات التي يعاني منها الماضي نشطت صناعة التاريخ. فالمؤرخ يأتي إلى فوضى الأحداث هذه: فينتقي منها، وينظمها ويرتبها بحيث تتحول إلى سردية، إلى قصة، لها بداية ولها نهاية، لها أبطالها وحبكتها وعقدتها، تكشف في تنظيمها وترتيبها عن معنى يفيض عنها لقارئها وسامعها. إن المؤرخ بالنسبة للماضي، كالقابلة بالنسبة للحامل، فهو يولد منه المعاني كما تولد تلك الطفل، وهذا الطفل الذي يولده المؤرخ هو ما ندعوه بالتاريخ.

لا يختلف التاريخ عن الماضي بمجرد كونه “انتقاء وترتيب وتنظيم” يقوم به المؤرخ في أحداث مضت، بل هو يختلف أيضا في جانب آخر مهم وجوهري: حاضر المؤرخ نفسه. المؤرخ ليس كائنا مجردا، ليس آلة عقلية موجودة في الفراغ، بل هو أيضا فاعل في قصة ما، بطل في سردية ما، أي أنه يعيش في التاريخ. وهو في حياته هذه التي يعيشها في التاريخ يستنجد بالماضي، يحاول أن يصنع منه ما يساعده في حاضره، أن يرويه كقصة لا تكتفي بالكشف عن معاني الماضي بقدر ما تمنح معنى لوجوده هو. إن تأثير الحاضر على “صنعة التاريخ” لمماثلة في جوهريتها لتأثير عملية التأريخ نفسها (أي الترتيب والانتقاء والتنظيم والإبراز والإخفاء…إلخ).

وتأثير الحاضر على صناعة التاريخ هو الذي يجعلنا نفرق بين نوعين من المؤرخين:  “المؤرخ المحترف” و”صانع الأساطير”. فصانع الأساطير لا يأبه كثيرا بأن يكون وفيّا للأحداث التي حدثت فعلا في الماضي، بقدر ما يتركز اهتمامه في كيفية “توظيف” هذه الأحداث- أو بعضها، أو إخفاء بعضها الآخر- لخدمة قضيته ومصالحه في الحاضر، أنه يريد انتاج “أسطورة” هدفها تثبيت سلطة، أو تدعيم شرعية… وإلى ما هناك من الأغراض. الأسطورة ليست كذبا، بل هي رؤية للماضي متمركزة على حاجات الحاضر، لهذا فهي تكشف عن الحاضر الذي وظفت لأجله أكثر من الماضي الذي تدعي تصويره.

في حين أن المؤرخ المحترف يقوم بالعكس، هو يحاول جاهدا التخلص من أعباء الحاضر لسرد رواية أكثر دقة عن الماضي من زميله صانع الأساطير. أقول “أكثر دقة” لأنه يحاول قدر الإمكان التخلص من تأثير الحاضر، لكنه أبدا لن يستطيع التخلص من ضرورة أن يقوم بالانتقاء والتعليل والترتيب والنظر للأحداث بعد معرفة نتائجها. إن تسلسل الأحداث بالنسبة للفاعلين فيها الذين لا يعلمون مسبقا نتائجها يختلف عن “تسلسل الأحداث” بالنسبة للمؤرخ الذي يعرف مسبقا كيف تطورت تلك الأحداث.

على سبيل المثال، نستطيع أن نجد العديد من الأشخاص من الذين قاموا بحرق أنفسهم، لكن المؤرخ لن يهتم إلا بمحمد البوعزيزي الذي أدى حرقه لنفسه إلى سلسلة من الأحداث نسميها اليوم بـ”الربيع العربي”، والتي لأننا لا نعلم كيف ستنتهي، قد تسمى فيم بعد باسم آخر. ولولا أن زين العابدين بن علي هرب من تونس، وانتشرت الاحتجاجات في أرجاء العالم العربي، لما التفتنا إلى حرق البوعزيزي لنفسه، ولربما لن يتجاوز ذكره حدود خبر صغير في جريدة محلية في تونس. إن تهميشنا لأحداث كثيرة وتركيزنا على حرق البوعزيزي لنفسه لهو اختيار حدث واحد من الماضي لبناء سردية ما عما جرى، هذه الضرورة للانتقاء واختيار أحداث محددة في الماضي لتبرير وتفسير ما تلاها من أحداث لهي أمر لا يملك المؤرخ تجاوزه.

-٢-

ليس الأمر الواقع هو الحاضر، بل هو “صناعة الحاضر”، وهو من تلك الصناعات المحرمة التي تكون سوقها السوداء مضرجة بالدماء عادة.

إن الحاضر هو مجموعة عشوائية من الأحداث المتنوعة والمتناثرة والمتتابعة. إن هذه الفوضى والعشوائية خطرة، لإنها قد تسمح بنشوء “قصص” و”سرديات” تتناقض مع مصالح النخب ولهذا فإنهم يسعون للسيطرة على الحاضر، ومن هنا تنشأ عملية “صناعة الحاضر”. الجرائد، نشرات الأخبار، قنوات التلفاز، كل هذا هو جهود منظمة لتقديم نسخة محددة من الحاضر، نسخة تقدم على أنها هي “الأمر الواقع”. نحن لا نعرف الواقع مباشرة، بل نعرفه عبر “وسيط” وهذه الوسائط ليست “محايدة” بل تحمل في داخلها انحيازاتها ومصالحها التي تحامي عنها.

ما الذي يحدث في سوريا؟ بالنسبة لبشار الأسد فإن “الأمر الواقع” هناك هو حرب كونية يخوضها العالم عبر بعض المندسين والإرهابيين ضد النظام الممانع والمقاوم. بالنسبة لوسائل الإعلام التابعة للدول العربية النفطية فهي مأساة إنسانية لأبناء السنة في سوريا يقوم بها نظام وحشي طائفي مدعوم من روسيا وإيران. أما بالنسبة لبعض المقاتلين السوريين وكثير من الشعوب العربية هي ثورة ضد الإستبداد والظلم، وبالنسبة لبعضهم الآخر هو جهاد من أجل تأسيس دولة الإسلام.

إن محاولة السيطرة على سردية واحدة عن الحاضر تحتاج لعملية سيطرة أيضا على سردية واحدة عن الماضي. ومن هنا تصبح الحاجة لخلق الأساطير مهمة للتمكن من السيطرة على الحاضر وتخليق “الأمر الواقع” منه.

إن الدول هي أكثر المؤسسات البشرية هوسا بالسيطرة على الحاضر، وهي لهذا السبب أكثرها هوسا على توليد الأساطير عن الماضي. إن شرعية الدولة في الحاضر قائمة على قوة إقناع أساطيرها التي ترويها عن نفسها من الماضي. لهذا نجد الدول تحرص على بث رواية وسردية محددة عن ماضيها، تقوم ببثها عبر كتب التاريخ الدراسية، عبر متاحفها ومعالمها التذكارية، على الآثار التي تسعى للحفاظ عليها وإبرازها. وبنفس المقدار التي تسعى فيه الدول على تأكيد شرعيتها بإبراز أساطير محددة، فإنها أيضا تقوم بذلك عبر إخفاء وكبت أحداث أخرى، فهي تدمر آثار تهدد شرعيتها، وتخفي أحداث تكشف بؤسها، وهي أيضا تلغي حوادثا بل وشخصيات كاملة من الماضي. فعلى سبيل المثال، قام ستالين بطمس ذكر تروتسكي- الرجل الثاني في ثورة أكتوبر التي أدت لتأسيس الاتحاد السوفييتي- من كتب التاريخ ومن الإعلام ومن كل شيء، بل إنه قام بتصفية تروتسكي جسديا من أجل حماية حكمه.

إن حرص الدول على “صناعة تاريخ”- أو أساطير، لا فرق- لها من أجل “تثبيت أمر واقع” يخدم مصالحها، لهو الأمر الذي من واجب المثقفين فضحه باستمرار، لأنهم عبر فضح “أساطير الماضي” يتمكنون من ثقب ثقب في الواقع يمكن أن يكون يوما ما منفذا لنور ينير ظلمته وانغلاقه على قلة من المنتفعين منه.

-٣-

إن إحدى الوسائل التي تتبعها الدول لربط “الواقع” بـ”التاريخ” إنما يكون بعملية “إحياء الماضي”، وهذا الإحياء يكون بوسائل متنوعة لعل أهمها الأعياد الوطنية، أو ما يتم تسميته في السعودية بـ”اليوم الوطني”.

إن تسمية العيد الوطني السعودي بـ”اليوم الوطني” لهو أمر جدير بالتأمل والتفكر. فتسميته بـ”يوم” وليس “عيد” ليس اختيارا عبثيا بقدر ما هو انتقاء حذر لتسمية تقوم بدورين معا: تدعيم مصدر شرعية محدد دون الإضرار بمصدر شرعية آخر. فالرواية التاريخية المؤسسة للدولة السعودية تبدأ من حادثتين لا حادثة واحدة تستمد منها شرعيتها. الحادثة الأولى هي حادثة الاتفاق الشهير بين محمد بن سعود- جد السلالة الحاكمة الحالية- مع محمد بن عبدالوهاب مؤسس الدعوة السلفية النجدية. هذه الحادثة جوهرية بالنسبة للدولة، لأن منها تستمد شرعيتها كدولة حامية للدين والعقيدة السلفية الصافية. أما الحادثة الثانية فهي حادثة تسمية المملكة العربية السعودية بهذا الإسم، وهذه الحادثة هي التي تستمد منها روايتها الوطنية لسلسلة من المعارك والإنجازات والنجاحات التي تمت على يد السلالة الحاكمة السعودية.

واليوم الوطني هو “تذكر” للحادثة الثانية ومحاولة ربط بها واستمداد شرعية منها، إلا أنه أيضا تفادي للإضرار بالحادثة الثانية التي تمنح الدولة منبعا لشرعية دينية لا تنضب. ولأن بعض العلماء السلفيين يحرمون الاحتفال بغير الأعياد الإسلامية، فإن المخرج المتاح هنا كان بعدم تسمية العيد بـ”العيد”، بل تسميته بـ”يوم”.

أما بالنسبة للشق الثاني من تسمية “اليوم الوطني” فهو أكثر إشكالا وتعقيدا من الشق الأول. فكلمة “وطن” في اللغة العربية الحديثة ليست بسيطة ولا مباشرة بل تحمل في طياتها أزمة عربية عميقة. فترجمة اليوم الوطني في اللغة الإنجليزية على سبيل المثال ستكون “National day” وكلمة “ناشونال” هنا تتم ترجمتها في اللغة العربية إلى ترجمتين: قومي ووطني. وهاتان الترجمتان ليست “أخطاء” بقدر ما هما نتيجة انقسام في الواقع العربي ليس موجودا في الواقع الأوروبي أو الغربي. ففي أوروبا الغربية نجد أن هناك نوعا من التطابق بين الأمة والدولة، وبالتالي يصبح العيد القومي هو العيد الوطني، لأن الوطن هو الأمة هو القوم. إلا أنه في العالم العربي- نتيجة لأسباب متنوعة أهمها الإستعمار- نجد انفصالا بين “الأمة” و”الدولة”، مما اضطرنا عند الحديث عن هوية الأمة أن نتكلم عن “الهوية القومية” وإذا أردنا الحديث عن هوية الدولة فإننا نتحدث عن “الهوية الوطنية”.

ومن هنا يصبح “اليوم الوطني” شيئا غير “اليوم القومي”، أي أنه حدث خاص بالدولة وليس حدثا خاص بالأمة.

-٤-

كانت الدول العربية تستمد شرعيتها من كونها تمثل جزءا من أمة عربية واحدة. لهذا نجد التأكيد على هذه الهوية في مسمياتها- المملكة “العربية” السعودية، جمهورية مصر “العربية”، الجمهورية “العربية” السورية، الإمارات “العربية” المتحدة. لهذا تمت تسميتها “دول قطرية”، أي أنها ليست دولة تمثل أمة، بل هي دول تعتبر أقطارا لأمة مشتركة.

إلا أنه ومنذ السبعينات الميلادية، حاولت الأنظمة الحاكمة في الدول القطرية توليد هوية “وطنية”، أي هوية يصنعها النظام، هوية تقوم بعزل مجموعة من العرب عن بعضهم وتخلع عليهم اسما جديدا، فالعرب الذين صادف وجودهم في دولة تدعى سوريا- حدد حدودها أوروبيين- سيصبحون سوريين، والاخرين الموجودين في مصر سيصبحون مصريين، وأولئك الموجودين في المملكة العربية السعودية- ولأنه لا يوجد اسم جغرافي قديم للأرض التي يعيشون فوقها- سيسقط عليهم اسم سلالتهم الحاكمة.

محاولة بناء الهوية القطرية هذه لم تقم على أساس سياسي، أي أنه لم يتم بناء هوية سياسية قائمة على حقوق مواطنة وتمثيل. بل تم بناء هذه الهوية على أساس “حسبوي”. أي أن النظام الحاكم في كل دولة قام ببناء شبكة من علاقات المحسوبية والمنافع مع قطاعات من المجتمع، وأطلق على شبكة علاقات المحسوبيات هذه اسم “هوية وطنية”.

ولأنها لا تملك أي عمق تاريخي، ولأنها لا تمثل جماعة قومية معاصرة، فإن الأنظمة سعت لتدعيم هذه الهوية الوطنية بإضفاء بعدين رئيسيين: الأول هو جعل القيادة السياسية للبلد مركز هذه الهوية والمعبر عنها، وبالتالي تصبح صناعة التاريخ “الوطني” هو تاريخ هذه القيادة فقط، وكأنه لم يكن هناك شعب، الأمر الذي جعل التمييز بين الوطن والنظام صعبا. أما البعد الثاني فهو بعد احتفالي مهرجاني، يختزل “الوطنية” بأيام معدودات للرقص والاحتفالات.

وحتى نوضح هذه المآزق التي تعاني منها محاولة بناء سردية للهوية الوطنية في الدول العربية، لنطالع الصفحة المخصصة لليوم الوطني في موقع وزارة الخارجية حيث سنقرأ التالي:

“تحتفل المملكة العربية السعودية بيومها الوطني في اليوم الأول من الميزان الموافق 23 سبتمبر (أيلول) من كل عام وذلك تخليداً لذكرى توحيد المملكة وتأسيسها على يدي جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله.
ففي مثل هذا اليوم من عام 1351هـ / 1932م سجل التاريخ مولد المملكة العربية السعودية بعد ملحمة البطولة التي قادها المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – على مدى اثنين وثلاثين عاماً بعد استرداده لمدينة الرياض عاصمة ملك أجداده وآبائه في الخامس من شهر شوال عام 1319هـ الموافق 15 يناير 1902م.”

-٥-

هذه المحاولة للتخلص من الهوية القومية العربية ومحاولة تحويل شبكة العلاقات الحسبوية والمصلحية بين قطاعات من المجتمع والنظام إلى هوية وطنية بديلة، دفعت القطاعات المهمشة من المجتمع إلى “الرد” باختراع هويات مضادة: فالمهمش من مذهب ديني مخالف للمذهب الذي يدعمه النظام يقوم بتسييس مذهبه الديني، والمهمش من منطقة ما يقوم بالرد انطلاقا من تسييس لهويته المناطقية والمهمش من القبائل يقوم بتسييس انتمائه القبلي…إلخ، بحيث تحول الصراع السياسي بين النظام ومناوئيه من كونه صراع على الحرية السياسية إلى صراع على الهوية.

إن تاريخنا “القومي” كعرب ليس محصورا بحدود الدولة السعودية وتاريخها.

إن تاريخنا القومي هو تاريخ الشعوب الممتدة من الخليج إلى المحيط وليس تاريخ الأنظمة فقط.

وإن معنى “الوطن” لا يمكن الاحتفال به قبل تجسيده كحقوق سياسية وحريات.

وإن الأنظمة الحاكمة تستطيع بسهولة أن تبني شرعية متينة إذا تحولت إلى أنظمة مدافعة ومنحازة لقضايا أمتها ومستجيبة لآمالها وتطلعاتها.

4 تعليقات عن “اليوم الوطني”

  1. لقد اصبت كبد الحقيقة. اعات اللة الأمة العربية على بلواها في
    حكامها وادعوا الى اعادة كتابة التاريخ العربي. وهنا لا بد من اعادة
    التأكيد على معنى “الأمة” الذي ميعه بل واضاعه التكفيريون من امثال
    المدعو “محمد مهدي عاكف، وهو لا محمد ولا مهدي وانما عاكف على التضليل
    والضلال، حين قال “طز في مصر”. وما هذا الخلط في المفاهيم الا المقدمة
    الأولى لتوجيه الطاقات الى غير محلها، فها هم شباب من فلسطين يذهبوا
    لقتال الجيش العربي السوري بعد ان استكملوا تحرير فلسطين!!! على يد
    تجار الدين والجهلة امثال رائد صلح وقبلة قيادة “حماس” التي رفعت علم
    الأنتداب الفرنسي البغيض في احتفاليتهم في غزة التي توهم انهوا
    “حصارها من قبل العدو القومي للأمة العربية.
    وافضيحتاه………………………..

  2. إبراهيم قال:

    الوطنية لدينا في العالم العربي نسخت ثم مسخت

  3. […] Al-Amer, writer and blogger, wrote from an
    Arab nationalist point of […]

  4. Ray قال:

    باختصار أنا مبهورة من هالمقال العظيم
    تحليل دقيق يبرد التسبد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *