كيف نفهم الحكم السلطوي؟

حقل دراسات الأنظمة السلطوية قديم قدم السياسة نفسها، ومثل أي حقل إنساني آخر فإن بعض الاتجاهات تسود فيه فترات معينة من التاريخ لتخلفها اتجاهات أخرى، فبعد أن كانت دراسة الأنظمة السلطوية تتركز على دراسات دساتير البلدان ومؤسساتها الخارجية، إنتقلت الدراسة إلى محاولة كشف دور النخب والمجموعات الفاعلة بعيداً من جمود وحتمية المؤسسات، ثم تلا ذلك عصر يؤكد على دور مؤسسات المجتمع المدني وحركات المعارض لتفسير التغيرات في هذا المجال أو ذاك.
قبل أشهر عدة، نشر «ميلان سفوليك» كتابه تحت عنوان «سياسات الحكم السلطوي»، الذي أراد من خلاله تقديم تصور نظري شامل لفهم هذا النوع من الحكم بطريقة تسمح للباحث بتفسير الأحداث والتحولات التي تطرأ عليه.
يمكن اعتبار هذا الكتاب يمثل قطيعة مع الاتجاهات السائدة في الوقت الحالي في هذا المجال الدراسي، إذ تتركز الحجة الرئيسة للكاتب في أن هذه الأنظمة يتخللها نوعان من الصراع: صراع بين النخبة الحاكمة والمحكومين، وصراع آخر داخل النخبة الحاكمة أنفسهم.
لكن هل يمكن أن نتحدث عن الأنظمة السلطوية هكذا بشكل عام، على رغم ما تنطوي عليه من تنوع واختلافات في ما بينها؟ هل يمكن الحديث عن نظام الصين ذي الحزب الواحد بالدرجة نفسها التي نتحدث فيه عن نظام القذافي المتمركز حول شخصه؟ يؤكد «سفوليك» بأن ما يجمع مثل هذه الأنظمة المتنوعة والمتمايزة هو أنها تعرف بالسلب، أي أن ما يجعل نظاماً ما سلطوياً هو كونه ليس ديموقراطياً على خلاف في الحد الأدنى من شروط الديموقراطية، إلا أنه يؤكد أن الفرق بين هذه الأنظمة وبين الأنظمة الديموقراطية ليس فرقاً في الدرجة، بل فرق في النوع، وأن هناك خصائص جوهرية تميز الحكم السلطوي عن الحكم الديموقراطي، هاتان الخاصيتان هما كالآتي: الأولى: هي أن الحكم السلطوي يفتقر لسلطة محايدة تعطي ضمانات للاتفاقات التي تحدث بين أعضاء النخب الحاكمة، والثانية: تتمثل في القابلية المستمرة للجوء إلى استخدام العنف في حل الخلافات.
بعد هذا التمييز الصارم بين النظام السلطوي والنظام الديموقراطي، يتجه سفوليك إلى تناول معضلة أخرى تتعلق بتنوع أشكال الأنظمة السلطوية والمتمثلة في كيفية تنظيمها؟ ينتقد سفوليك الاتجاه السائد في دراسات الأنظمة السلطوية في التعاطي مع هذه المعضلة بفرزها إلى «نماذج» و«أنواع» متمايزة، كتقسيمها إلى أنظمة عسكرية، أنظمة ذات حزب واحد، أنظمة سلطانية… إلخ.
وجوهر انتقاد سفوليك هنا هو أن هذه النماذج متداخلة في ما بينها، فالنظام السوري على سبيل المثال، هو نظام عسكري في الوقت نفسه الذي هو أيضاً نظام حزب واحد.
للخروج من هذه المعضلة يقترح سفوليك مقاربة جديدة لتتعامل مع تعدد وتنوع الأنظمة السلطوية، وذلك عبر اقتراح أبعاد نظرية عدة يمكن قياسها من خلالها، هذه الأبعاد هي: أولاً: مدى تداخل الجيش في السياسة، ثانياً: حجم القيود على الأحزاب السياسية، ثالثاً: كيفية اختيار السلطة التشريعية، ورابعاً: كيفية اختيار السلطة التنفيذية. وعبر تحويل كل بعد إلى مقياس بوضع درجات مختلفة له يتم تمييز كل نظام عن الآخر.
فيتم مثلاً تقسيم تداخل الجيش في السياسة إلى درجات: لا يوجد تدخل، تدخل مباشر، تدخل غير مباشر، ويتم تقسيم القيود على الأحزاب السياسية إلى: لا توجد أحزاب، يوجد حزب واحد، توجد أحزاب متعددة.
ومن خلال هذه الأبعاد يمكن تحديد مكان النظام موضع الدراسة بالنسبة لغيره، فيصبح النظام السوري تحت حكم الأسد نظاماً يتدخل الجيش فيه بالسياسة تدخلاً مباشراً ويدار من حزب واحد.
لا ينتهي الأمر عند تحديد مكان النظام موضع الدراسة بالنسبة لغيره من الأنظمة، بل إن هذه الأبعاد – بناء على البيانات التي قام سفوليك بتجميعها عن كل نظام سلطوي حكم لمدة يوم واحد على الأقل في الفترة بين ١٩٤٦ – ٢٠٠٨ – تحدد جملة من الأمور مثل مدى قدرة النظام على البقاء، احتمالية انقلاب الجيش عليه، ودور المؤسسات المتنوعة الموجودة فيه… إلخ.
إنطلاقاً من هذا الإطار النظري يعود سفوليك إلى المشكلتين الرئيستين التي تواجه الأنظمة السلطوية ليزيدها إيضاحاً. فاتجاه الصراع الأول بين النخبة الحاكمة والمحكومين فإن الأداتين اللتين تتعامل معهما هذه النخبة مع المحكومين هما: القمع والاستيعاب، وبناء على موضع النظام في الأبعاد السابقة تتحدد مدى قدرته على واحتمالية لجوئه إلى إحدى هذه الأدوات، أما بخصوص الصراع الثاني الدائر داخل النخبة الحاكمة فهو نابع أصلاً من سعي زعيم النظام إلى مراكمة سلطاته على حساب حلفائه الآخرين الذين لا يملكون إلا قدرتهم على التهديد بالقيام بانقلاب لردع نهم الزعيم لمراكمة سلطاته.
هذا التدافع داخل النخبة الحاكمة عادة ما يقود إلى إحدى هاتين النتيجتين: الأولى: هي نجاح الزعيم في مراكمة السلطات لمصلحته للدرجة التي لا يصبح أمام حلفائه أي قوة يهددونه بها.
كما فعل حافظ الأسد مثلاً في حركته التصحيحية، وكما فعل صدام حسين بعد تسلمه الحكم، والثانية: هي الوصول إلى حال من التسوية بين الأطراف يتم من خلالها إدارة دفة الحكم بطريقة مؤسساتية كطريقة إدارة الحزب الشيوعي الحاكم في الصين، أو الحزب المؤسساتي الثوري في المكسيك قبل عقود عدة.
أطروحة «سفوليك» هذه تتمتع بقدرة تفسيرية هائلة، كما أنها تمثل تحدياً للكثير من المسلمات التي دربت عليها الدراسات التي تتناول الأنظمة السلطوية، إلا أنها في المقابل كانت محصورة ضمن خندقها السياسي، ولم تعط وزناً لدور الاقتصاد والحركات الاجتماعية في تغيير موازين قواعد اللعبة داخل النظام السياسي السلطوي.

8 تعليقات كيف نفهم الحكم السلطوي؟

  1. يقول سارة:

    طوال قراءتي للمقال لم يبرح مخيلتي العدد الهائل من الطلبة السعوديين الذي كانوا يتابعون دراستهم في العلوم السياسية في جامعتي الأجنبية وحيرتي الشديدة من ذلك!!..وكانوا سبحان الله -مثلك چذيه- كل أطروحاتهم وتحليلاتهم للأنظمة السياسية لجزر الواق واق وما وراءها، وان اقتربوا فأمثلتهم لأنظمة بائدة نتفق علنياً على كرهها أو تناول نقدها…أستطيع أن أسترسل في هذا الموضوع بس بين الصراحة والوقاحة شعرة ..أتمنى أن لا أكون قد قطعتها.

  2. يقول سارة:

    رجعت قرأت المقالة…انت المفروض انك ما تجيب أمثلة صح؟..لانك قاعد تقدم الكتاب وتعرضه وهذي أمثلة المؤلف.؟..فلقد ظننت انك تضع تحليلاته وتسوق الأمثلة عليها بناء على فهمك..اذن هو سوء فهم مني وتعجل ..وتقديمي للتصور المسبق الذي أحمله دائماً عنكم حين أقرأ ما تكتبون .

    بس …بما انك سألت في ردك…في العموم.. لتكون قراءاتنا مفيدة -خصوصاً ما يلقى منها القبول والحماسة من جانبنا-..يجب أن نسقطها على واقعنا ونستخلص منها ما يوائمنا.

    على فكرة…كتاباتك جميلة ما تعرفت عليها من زمن بعيد..تنقل فيها إلينا معلومات كثيرة. تشكر عليها..شاهدت لك خطاب إلى الأمة السعودية!!!..أنت بالتأكيد مقروء وثقلك في الكتابة..أكثر من أي مجال آخر .

    دمت بخير

    • يقول admin:

      شكرا على وقتك.

      بالنسبة للمقالة فهي تعرض كتابا يطرح نموذجا لتفسير الحكم السلطوي.
      الامثلة التي اوردتها بعضها اوردها هو وبعضها انا التي صغتها.
      أين المشكلة في ذلك ؟
      حسب ما فهمت من كلامك انك تصورتي أننا نحن- انت تستخدمين انتم بصيغة الجمع- الكتاب في الصحف السعودية ابواق للسلطة، واني تعمدت عدم طرح السعودية كمثال رغم قربها ووضوحها بالنسبة للنموذج المطروح.
      هذا الحكم ظالم، لسببين:
      ١- حرية التعبير في الصحف السعودية لم تصل بعد لمرحلة انتقاد السعودية كنظام سلطوي، لذلك لن اضحي بامكانية نشر المقال بسبب بطولة زائفة اعرف مسبقا انها محاولة مجهضة.
      عدم ذكر السعودية لا يعني انها مستثناة، هذا وضع للكلام في الفم وتقويل لما لم اقل.
      ومجرد كونك استغربت عدم ورود السعودية كمثال، دليل على ان الفكرة من المقال واضحة.
      ٢- ليس كل من يكتب في الصحافة السعودية بوق للسلطة، فهناك من هو بوق فعلا، وهناك من يناى عن نفسه بالسياسة تماما وهناك من يركز على انتقاد ما يمكن انتقاده وهناك من يكتفي بعدم النفاق… الخ.

      شكرا

  3. يقول بدويه:

    مساء الخير

    اولا اشكرك على المقال المفيد

    لكن سؤالي ماذا بعد الفهم للانظمة وتقييمها وتصنيفها؟ وماذا يفرق لوكان نظام سلطوي اوحدي او لامركزي اناركي او ماشابه ؟
    اليست الغاية من الممارسة السياسية هي تحسين المستوى الحياتي للجماعات او المجتمعات واعطاء الفرد نوعا ما مقومات العيش الكريم؟
    واذا توفر بالنظام السلطوي وخليني اقول لو كان بعباءة الابوية الرعوية كانظمة الخليج توفر تناغم وتوافق للوصول لغايات التحسين لو بالحد الادنى ولكنه افضل بكثير من معاكسيهم اليس هذا شفيع للتمسك بالسلطوية مقابل رفض التغيير الثوري الجالب لنقيض ذالك ولنا بمايحصل بسوريا عبرة ,الى اي مدى تتقبل مثل هذه المبررات والتحليلات ان جاز الوصف
    وشكرا مقدما للمساحة والوقت

  4. يقول سارة:

    من جاب طاري أبواق السلطة؟ هذي صفة لا يمكن تعميمها.

    التصور المسبق الذي أحمله دائماً عنكم عندما أقرأ ما تكتبون هو إيثار السلامة والهون أبرك ما يكون!

    فلنترك الأمر هنا..استفدت واستمعت..شكراً لك.

  5. يقول أسامة خالد:

    بوركت يا سلطان على هذا الاستعراض. كنت أصوغ في ذهني ردا كفيتنيه بالسطر الأخير من المقالة. 🙂 فعلا، اختزال القهر والسلطوية بالجيش وغيره من الأطراف التي تملك عنفا بدنيا مباشرا قصور حقيقي.

  6. يعجبني هذا الأسلوب التحليلي الذي انتهجه صاحب الكتاب. أنا مقتنع بجدوى الأسلوب “الرياضي” إن صح التعبير حتى في العلوم الإنسانية التي يتفق الجميع على صعوبة نمذجتها كأرقام ومعادلات. أثناء قراءتي لعرضك للكتاب كنت أفكر في أخذ هذا الأسلوب إلى مستويات أعلى ومحاولة نمذجة الأسئلة السياسية إلى معادلات رياضية وبالتالي إمكانية إجراء اختبارات إحصائية عليها إما لفحص فرضيات معينة أو اختبار سيناريوهات متعددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *