هل يمكن أن يوجد فرد لا منتم؟

يوم الأربعاء الماضي «١٠ نيسان (أبريل) 2013»، كتب تركي التركي في مجلة «المجلة» مقالة بعنوان «الديموقراطية ليست هي (الحل)!». وبغض النظر عن مضمون المقولة إلا أن ما لفت انتباهي فيها هو رفضه لمقولات التيارات الفكرية والحركات السياسية، انطلاقاً من كونه «فرداً لا منتمٍ»، وسأحاول في هذه المقالة أن أفهم ماذا يعني أن يكون الشخص «فرداً لا منتمياً»؟
ولكن قبل أن أبدأ، سأضع السياق الذي وردت فيه عبارة تركي التركي، إذ يقول الآتي: «لذلك أنا كفرد… لا منتمٍ، ولا يطمع في الانتماء لأي جماعة تتطلع إلى سلطة، ولم يفوّض أي جماعة للحديث باسمه، من حقي ألا أبحث بداية عن «حل» سياسي بقدر ما أبحث عن تعايش اجتماعي، لا تفرضه نظريات سياسية، تموت وتحيا بحسب المصلحة، بل توجبه «تربية» اجتماعية حرة ومسؤولة، أساسها القبول بقيم «الفردانية والتعدد والتنوع».
من ناحية مبدئية هناك فرق بين «الظهور» و«الاختفاء»، أن أظهر يعني أن أتجاوز حيزي الخاص وأجعل من نفسي مسموعاً ومرئياً من الآخرين الذين أتشارك معهم ميداناً عاماً يكفل لنا القدرة على «الظهور».
وظهوري هنا، مجرد ظهوري، يعني بالضرورة انحيازاً، لأني عندما أظهر أشغل حيزاً، ومن خلال هذا الحيز الذي أشغله «أرى» ما حولي، فرؤيتي هنا هي دوماً نسبية وهي دوماً منحازة للحيز الذي أرى من خلاله، ولو أردنا طرح الأمر بشكل مختلف لقلت إن مجرد ظهوري يعني تمييزاً لي عن غيري، وتميزي عنهم لا يعني أبداً أني محايد، إذ مجرد الظهور يلغي الحياد، ومن هنا فإنه لا وجود لـ«فرد غير منتمٍ» في الفضاء العام، إلا إذا كان المقصود به شخصاً غريباً عن أصحاب هذا الفضاء، فشرط الظهور هو نوع من التشارك في اللغة والتاريخ بين أصحاب هذا الفضاء يمكنهم من معرفة من هو هذا الظاهر أمامهم، وماذا يفعل أو يقول؟ أي لا يكفي أن يكون فرداً، أو إنساناً، حتى «يظهر»، بل عليه أن يكون فرداً ذا علاقة ما مع من يريد أن يظهر لهم، ومن دون هذه العلاقة فسيتم التعامل مع ظهوره كظهور غريب، أي أنه «غير منتمٍ» لأصحاب الفضاء، ولكنه بكل الأحوال لن يكون فرداً مجرداً و«لا منتمياً» هكذا بإطلاق، بل فقط لهذا الفضاء المحدد.
كتابة التركي لمقالته هي «ظهور» بمعنى ما من المعاني في فضائنا العربي المشترك، هذا الظهور يعني بالضرورة تحيزاً، فظهوره من خلال مقالة يعني أنه يقدم رأياً، ولفظ «رأي» في جذوره يشترك مع لفظة أخرى هي «الرؤية». فما أراه أنا بعينيّ هو أمر نسبي تماماً مثل الرأي الذي أعتقده في قلبي. وضمن هذا الإطار فقط يتبين حجم التناقض عندما «يظهر» شخص في فضاء عام يشاركه فيه الآخرون ويطرح «رأيه» فيم يتداولونه، ثم يعلن أنه «فرد لا منتمٍ»، إذ مجرد تداوله الرأي معهم، مجرد وضعه مسافة فكرية بينه وبينهم، ينفي عنه «عدم الانتماء».
هناك طريقتان وحيدتان يمكن من خلالهما لـ«الفرد» أن يكون «لا منتمياً» بهذا المعنى. الأولى هي أن يكون مستبداً، أي يقصي كل الآخرين من المجال السياسي ويُبقي نفسه فيه وحده، في هذه الحال فقط يصبح الفضاء العام فاقداً للمعنى، ويصبح هو فيه «فرداً غير منتمٍ»، أما الطريقة الثانية التي من خلالها أن يكون الفرد «لا منتمياً» فهي ببساطة ألا يظهر، أي أن «يختفي عن الأنظار»، أن يحصر نفسه في حيزه الخاص وألا يخرج للفضاء العام، لأنه – مرة أخرى – لا يمكن له أن يظهر فيه ويصر على أنه «فرد غير منتمٍ».
ولكن ألا يمكن أن يكون مقصد التركي مختلفاً تماماً عما ذهبت إليه هنا؟ ألا يمكن أنه يريد بعدم الانتماء هنا، أنه «ليس حزبياً»، أي لا يتبنى «برنامجاً سياسياً» لما يجب أن تكون عليه السلطة؟ حتى لو فرضنا أن هذا هو المقصد من عبارته، فإن هذا الموقف ليس موقف «فرد لا منتمٍ»، بل هو موقف سياسي بامتياز.
إذ إن عدم الانتماء لجماعة ما أو تيار ما أو أيديولوجية ما لا يعني عدم الانتماء مطلقاً.
وفي الحقيقة أن هذا التصور شائع عند غير الإسلاميين في موقفهم من تبني البرامج والرؤى والأيديولوجيات السياسية، فهناك من يظن أنه عندما يقول «أنا لست إسلامياً، لست قومياً، لست اشتراكياً، لست ليبرالياًَ… إلخ» أنه في هذه الحال أصبح «لا منتمياً». فرفض الانتماء – وإن كان تحديداً بالسلب – هو في حد ذاته تحديد.
يزداد الأمر تعقيداً في حال التركي عندما نرى أنه فعلاً يتبنى برنامجاً سياسياً، برنامج لـ«التعايش الاجتماعي» يقوم على «تربية اجتماعية حرة مسؤولة، أساسها القبول بقيم «الفردانية» والتعدد والتنوع»، فمثل هذا المجتمع هل يمكن أن يحدث «خارج الدولة»؟ بالطبع لا، وبالتالي فيلزم من كونه «داخل دولة» أن التنظير له لا بد أن يصحبه تنظير عن «السلطة» وعن علاقتها مع المجتمع، ومجالات تدخلها، وعن كيفية توفير واستخراج الأدوات والموارد التي توفرها لمن سيقومون بعملية التربية، التي بالمناسبة يقدمها لنا التركي على أنها هي «الحل».

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *