الديمقراطية وثقافة الجماهير

الكاتب: عمر العبدلي

يستخدم الاستبداد العربي خطابين لنقد الحركات الشعبية الساعية للتحول الديمقراطي في الوطن العربي منذ أوائل القرن العشرين وإلى يومنا هذا، أولها هو جهل الشعوب العربية ووعيها المتدني بالديمقراطية ومن ثم -وهو ثانيها- أن الديمقراطية لن تأتي بالاستقرار والتنمية.

‎إذ تحاول الأنظمة التسلطية بأدواتها الإعلامية ان تنتقد الوعي السياسي للشعب العربي بوصفه شعباً جاهلاً في السياسة من جهة وغير جاهز للديمقراطية من جهة أخرى، وقبل تفنيد هذا الإدعاء الزائف والساذج، نطرح نحن كأفراد في هذه الشعوب سؤالاً حول مسألة الجهل في شؤون السياسة التي تدعيها الأنظمة في دعاياتها التاريخية

‎هل حظيت الديمقراطيات في العالم بشعوبٍ ذات ثقافةٌ ديمقراطية في ظل الاستبداد أم بعد ممارسة الديمقراطية؟

‎ونتساءل أيضا عما فعلته هذه الأنظمة طوال نصف قرن وأكثر لمجتمعاتها؟ هل ساهمت في زيادة الوعي؟ فإذا كانت الإجابة بنعم، فهذا يبطل ادعاءها وينقضه، أما إذا كانت الإجابة لا، أيّ أنها لم تساهم في رفع مستوى الوعي السياسي للجماهير، فهي إذن ليست أهلاً للحكم وكفؤاً له ولإدارة شؤوننا، بل إن هذا تأكيد على صدق مطالبات الجماهير العربية، وعلى فشلها -أي الأنظمة- في توعية وتأهيل المجتمع وبنائه، وهو الدور الرئيسي للدولة الوطنية ومن يتربع في سدة حكمها.

‎وهل يعني خطاب الأنظمة العربية هذا بأنها تسعى للتخلي عن تسلّطها والبدء في مشروع التحول الديمقراطي حتى تهتم بجاهزية المجتمع؟  لا أعتقد، فهي تدعّي بأنها الاكفأ في الحكم من الشعب كافة، ولكن ما برهانهم على دعواهم وما مبدأ الكفاءة التي تستند إليه؟

‎إن الدول العربية تعيش عالةً على مجتمعاتها ومثبطة لعزائم شبابها وشاباتها وحاصدةً لروح نهضتها وتقدمه، منذ عهد الاستقلال، فالانقلابات العسكرية والعائلية والإحتلالات والغزوات على الدول المجاورة والحروب العبثية كانت عناوين المشهد السياسي العربي منذ عقود، سالبةً بذلك كل حجة عقلانية ترفع من قدر الحكام وتاريخ حكمهم، وبعد أن أتى الربيع العربي وانتفضت الجماهير وطالبت بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، رفض الاستبداد ان ينصاع لهذه المطالبات مؤكداً على فشل الدولة العربية الممتد منذ عهد الاستقلال في تلبية طموحات الشعوب وعلى انشغاله بتبديد مقدرات الوطن وامتهان كرامات المواطنين.

‎الواقع يرفض من حيث هو أن يثبت دعوى الإستبداد هذه فهو شاهدٌ على أنظمة يطغى عليها العنف والحرمان، بل إن سجونها ومنافيها أكثر مؤسساتها حداثةً وتطوراً وفعالية، وكذلك أنظمتها التكنولوجية فيما يخص الرقابة والتنصت. ليس من بين تلك الدول من تفتخر بجامعاتها أو برلماناتها أو دساتيرها الحديثة أو حتى رضا مواطنيها عنها.

‎إذن تؤكد الأدلة والشواهد فشل هذه الأنظمة التسلطية في تحقيق الأستقرار والأمن وحفظ الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية والتنمية الحضارية. فالإستقرار التي تؤكد عليه هو صمت الشعوب، والأمن هو سجن المعارضين ونفيهم، والكرامة هي لمن في سدة الحكم، والتنمية هي لجماعات طفيلية وعلاقات فساد تاريخية.

‎ينفي الديمقراطيون بأن الديمقراطية هي الحل النهائي لكل المشكلات التاريخية، فهي لا تحقق النعيم على الأرض ولكنها بالمقابل لا تجعل الأرض جحيماً كما يفعل الاستبداد، فالديمقراطية تستند على أساسين جوهريين وهما الحرية والتجربة، ولا عجب أن يكون أعتى منظريها، جون لوك، الفيلسوف الإنجليزي الشهير ليبرالياً يؤمن بحرية الاعتقاد والتعبير، وأن يكون تجريبياً كذلك مؤمناً بأن الوسيلة الوحيدة لمعرفة صحة نظريةٍ ما، ممكنة فقط من خلال التجربة.

‎فالديمقراطية تحمل في جوهرها نظرية علمية وهي القابلية للدحض، أي أنه بالتجربة فقط نستطيع معرفة صحة الشيء أو بطلانه، وينسحب هذا المبدأ على المجال السياسي فوفقاً للتجربة وتغييرها أو تكرارها، يمكن معرفة أيّ البرامج السياسية أصلح وأنسب وتشترط مبدأ الحرية كي تمنح الفرصة لمختلف الأفكار أن تناقش وتُختبر، على العكس من الاستبداد، الذي يقدم مشروعاً واحداً ويسجن ويُقتل ويُقصى كل من يشكك فيه، فكيف للناس معرفة صحة المشروع إن كان هو المشروع الأوحد وكيف لهم معرفة المشاريع الأخرى إن كان معتنقوها في غياهب السجون المظلمة؟

إن الديمقراطيات الراسخة في العالم الغربي لم توجد كما هي بل مرّت بتقلبات وإشكالات كبرى، ففي فرنسا قطع رأس الملك لويس السادس عشر إبان الثورة ثم شهدت منذ ذلك الحين قيام ٤ جمهوريات وسقوطها، وتعيش الآن جمهوريتها الخامسة، أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد خاض شعبها حرباً أهلية ضارية ما بين ١٨٦١-١٨٦٥، وليس الاقتحام الأخيرة للكونغرس سوى أحد أشكال هذه الاضطرابات المستمرة، فيما النموذج البريطاني فقد مرّ بما لا يقل عن كلاهما فقد كان الصراع الديني ما بين الملكية والكنيسة والطوائف الأخرى والإقطاع حاداً وأدى في مراحل الى أسر الملك وقطع رأسه على يد كرومل إبان الثورة البيوريتانية ١٦٤٢ وبعد تطورات كبيرة انتهت بالثورة المجيدة التي نصبت غيوم دورانج وزوجته ماري ملكين على انجلترا ١٦٨٩، وآخرها محاولة الملكة تعليق البرلمان عام ٢٠١٩ بعد طلب رئيس الوزراء الحالي بوريس جونسن، والذي أبطلته المحكمة العليا.

إن قراءة التاريخ تؤكد لنا ان العملية الديمقراطية ليست ثابتة ومنتهية بل هي صيرورة مستمرة لترسيخ المؤسسات المدنية وإشراك الجماهير، وليس أيّ من هذه الأنظمة العربية السلطوية من ساهم في ترسيخ المؤسسات أو أشرك الجماهير في بناء الدولة، ولنا في تجربة البعث في سوريا الأسد وصدام حسين في العراق والقذافي في ليبيا وغيرهم عبراً لنعتبر.

عن الكتابة

قبل عدة أيام وصلني بريد إلكتروني يبشرني بموافقة مطبعة إحدى الجامعات الأمريكية على مقترح كتاب تقدمنا به أنا ومجموعة من الأكاديميين والذي سيشارك فيه كل واحد منّا بفصل. تعجّبت من نفسي وأنا أقرأ البريد، فلم تكن السعادة ولذة الإنجاز هو أول ما شعرت به بقدر ما كان شعور بالضيق بأن إلتزاما جديدا سيضاف الآن لقائمة طويلة تنتظرني من الإلتزامات. عندما قمت بكتابة أول مقالة لي قبل عشرين عاما، لم أكن أعلم يوما بأن الكتابة ستتحول من مجرد كونها شغفا وهواية إلى مهنة تحمل ما تحمله المهنة من معاني ومشاعر الإغتراب.

عندما كنت أسئل “ماذا تريد أن تصبح إذا كبرت؟” أجيب: “طيار”. لم تكن الكتابة حلما أو غاية، بل لم تكن تقدم على أنها مهنة أصلا. لو أردت تحديد نقطة بداية اعتباطية لعلاقتي مع الكتابة، فإن أول ما يحضر في ذهني هو بدايات القراءة المتبعثرة. فأنا أتذكر جيدا أول كتاب تعثرت به. كان ذلك ذات صيف قديم، بينما كنت في المرحلة المتوسطة أقضي جزءاً من الإجازة في الرياض عند خالتي في حيّ الربوة، أحد تجمّعات القصمان في الرياض. فالرياض، على الأقل في تلك الفترة، ليست من ذلك النوع من المدن الذي ينصهر فيه الناس. أحد الأصدقاء يصفها بأنها مدينة بلا معدة، تأكل الناس ولا تهضمهم. فهي أقرب ما تكون إلى مجموعة من التجمعات المناطقية والقبلية المتراصة جنبا إلى جنب: حيّ للقصمان هناك بجانبه حيّ لأهل الزبير، وهناك حيّ لأهل الجنوب، وهكذا، لدرجة أنك تستطيع التنبؤ بأحياء الأشخاص بمجرد أن تعرف من أي منطقة أو خلفية اجتماعية يتحدرون منها. الفقر وحده، ربما، هو الذي يتجاوز هذه الحدود المناطقية والقبلية، ذلك أن الفقراء من كل الأماكن يعيشون في نفس الأحياء المهمشة والفقيرة والمهملة.

في ذلك الصيف، أتذكر أنه كان هناك بالقرب من بيت خالتي أسواق كبيرة اسمها “أسواق الشثري” والذي يبدو أنه قد اختفى من الوجود. كانت هذه الأسواق مبهرة بالنسبة لي، ففيها كل ملذات الدنيا مجتمعة في مكان واحد: أصناف الحلوى والشوكولاته مثل حلوى الرافايلو والريفيرو روشيه والفانفير، وكان هناك ممر كامل فيه كل لعبة يمكن أن يتخيلها طفل. فيه درج آلي وأبواب تفتح دون أن تمسّها، كل هذا كان جديدا عليّ. في ذاك الوقت، بداية التسعينات الميلادية، كان عمر الأسواق التجارية الكبيرة عشر أو خمسة عشر سنة. إذ ءن بدايتها تعود لأواخر السبعينات، عندما أسس كل من عبدالله فؤاد وعلي التميمي، وهما تاجران من المنطقة الشرقية من الذين بنوا تجارتهم من التعاقد مبكراً مع آرامكو، أسواق التميمي بالتعاقد مع شركة (سيف وي) الأمريكية. وفي الرياض أسس الأمير الوليد بن طلال أسواق العزيزية، وأسس حمد سعد الإبراهيم شركة بندة في الرياض، ليندمجا معا في مطلع التسعينات. وفي عام ١٩٨٠، قام عبدالله العثيم، ابن صالح العثيم الذي كان صاحب دكّان صغير في حلة القصمان في الرياض لبيع المواد الغذائية، بتأسيس أسواق العثيم. أكمل قراءة التدوينة

هل أتخصص علوم سياسية؟ ما هو مستقبلها في السعودية؟

هذه التدوينة موجهة للسعوديين الذين يرغبون في دراسة العلوم السياسية سواء كمرحلة بكالوريوس أو ماجستير أو دكتوراة. وهي إجابة مفصلة لكثير من الأشخاص الذين راسلوني سائلين عن المستقبل الوظيفي والفائدة العملية والعلمية لهذا التخصص. سأقسم الإجابة لقسمين، قسم موجه لمن يريدون دراسة العلوم السياسية كدرجة بكالوريوس، وقسم موجه لمن يريدون دراستها للماجستير أو الدكتوراة.

أ- مسارات التوظيف لخريج البكالوريوس في العلوم السياسية 

هناك خمسة مسارات وظيفية لدارس العلوم السياسية في السعودية. وقبل الحديث عنها، يجب توضيح أنه قد يبدو للقارئ أن هناك العديد من الفرص لحامل هذه الشهادة، لكن هذا سببه محاولتي ذكر خيارات متنوعة وليس لأن العدد كبير. فمقارنة بتخصصات مثل الهندسة والطب والإدارة والمالية والمحاسبة والحاسب والقانون، فإن الطلب على هذا التخصص قليل. الآن، إلى المسارات: أكمل قراءة التدوينة

العلوم السياسية: ما هي؟ وكيف أقرأ فيها؟

في كل فترة، يأتيني طلب على تويتر أو على البريد الإلكتروني حول كتب مفيدة عن العلوم السياسية. وقررت حينها كتابة تدوينة أضع فيها جوابا مفصلا حول الموضوع.

١- العلوم السياسية… علوم وليست مهارة

كلما أركب مع سائق أجرة أو أوبر ويسألني ماذا تفعل؟ أجيبه: “أدرس علوم سياسية”، فيرد علي: “أووه، ستكون رئيسا للسعودية؟”. هذه قصة، قصة أخرى تتعلق بأسلوبي الحاد والمباشر بعض الشيء، والذي يوقعني عادة في مشاكل وسوء فهم كان بإمكاني عدم الوقوع فيها لو كنت أقل نزقا. في مثل هذه الموضوع، تعلق علي أختي، أو أمي:  “هذا وأنت دارس سياسة ولا تعرف تحل الموضوع”.

في كلا هذه الحالات نجد أن هناك فهم شائع لدارس العلوم السياسية، بأنه يتعلّم مجموعة مهارات كي يصبح سياسيا، أو مرشحا، أو دبلوماسيا بارعا. هذه الفكرة الشائعة خاطئة. العلوم السياسية هي- كما اسمها يقول- “علوم” وليست مهارات. دارس العلوم السياسية مثله مثل أي متخصص أكاديمي- إلا من رحم ربي- انطوائي وفاشل اجتماعيا وليس لديه المهارات الكافية في التعاطي مع الحيل والمكايد والخداع  والنفاق الذي يحدث في عالم السياسة والتي تحتاج لمهارات كثيرة وتعوّد كأي صنعة أو مهنة.  أكمل قراءة التدوينة

لؤي الشريف والصعود إلى أسفل

في هذا المقطع ذكر لؤي الشريف رأيه العجيب أن القرآن أعطى الروس والبولنديين الصهاينة أرض فلسطين، فقمت بالرد عليه بهذه التدوينة. بعد ذلك، كتب هو هذا المقال  ليرد على منتقديه ومعترضيه. قرأت مقاله، ووجدته ضعيفا جدا، مهلهلا، متناقضا، ويفتقر لأدنى أساسيات الكتابة المتسقة والتفكير المنهجي، فاستغربت أن يصدر هذا من شخص يدعي أنه باحث ومختص.
في تدوينتي، قلت إن كان لؤي الشريف جادا في اعتقاده بأن القرآن منح أرض فلسطين للبولنديين والروس الصهاينة المحتلين لأرض فلسطين، فعليه أن يثبت أمرا ويقبل أمرا:
١- عليه أن يثبت أن هؤلاء البولنديين والروس والأوروبيين الصهاينة هم وحدهم الأحفاد البيولوجيين العرقيين لنبي الله يعقوب.
٢- وعليه أن يرفض المبادرة العربية التي تسلب هؤلاء البولنديين والروس الصهاينة ٩٠٪ من أرض الميعاد بما في ذلك شمال السعودية.

فكيف ردّ لؤي الشريف على هذين الأمرين؟ أكمل قراءة التدوينة

هل أورث الله فلسطين للصهاينة؟ ردّ على لؤي الشريف

في هذا المقطع، يقول لؤي الشريف: “في نص صريح من إلهي وإله محمد وإلهكم…. إن هذي الأرض لبني إسرائيل… واضح جدا جدا لحد يلف ويدور…” ثم يتابع بجملة عجيبة: “كل مسلم لابد يكون صهيوني لأن صهيون هذا جبل”. في هذه التدوينة، سأقوم بتوضيح تهافت هذا الإدعاء خطوة خطوة حتى ننتهي في الخطوّة الأخيرة لتوضيح أن لؤي الشريف إذا كان فعلا مقتنع بهذا الكلام المتهافت، فعليه المطالبة بتسليم شمال المملكة العربية السعودية ونصف العراق ونصف سوريا والأردن ولبنان وسيناء للصهاينة. أكمل قراءة التدوينة

هل كان آدم سميث ضد تدخل الدولة في السوق؟

-١-

قبل أيام، قررنا أنا ومجموعة من الأصدقاء قراءة مشروع عبدالوهاب المسيري. وأثناء القراءة، ذكر المسيري في الجزء الأول من موسوعة اليهود واليهودية والصهاينة، وأثناء حديثه عن الإنسان الطبيعي، والذي يعرفه بأنه ذاك “الذي يدور في إطار المرجعية الكامنة في الطبيعة” والمستسلم لنزعة تدفعه للتجرد من كل الحدود التي تفصله عن ما حوله من مادة وطبيعة، ذكر أن هذا الإنسان الطبيعي يأتي بعدة تنويعات، أحدها هو “الإنسان الإقتصادي”. وبسطر واحد، ذكر أن الإنسان الإقتصادي هو “انسان آدم سميث الذي تحركه الدوافع الإقتصادية والرغبة في تحقيق الربح والثروة”. أثناء النقاش حول هذا النص، اعترضت أنا على هذا الفهم لفكر آدم سميث، إلا أن بعض الزملاء اعتبر أن هذا الفهم هو الفهم السائد والمعروف، فقررت كتابة هذه التدوينة لتقديم فهما أكثر دقّة وأكثر عدالة لفكر آدم سميث الذي باعتقادي أنه تم اختطافه وتشويهه من قبل دعاة النيولبرالية.
الصورة الكاريكاتورية التي يُقدّم لنا بها آدم سميث تقوم على ركيزتين: ١- أنه كان معارضا شرسا لأي تقييد حكومي للسوق، وأن رفضه للتقييد الحكومي مبدأي وجذري. ٢- أنه قدّم تصورا عقلانيا للإنسان، باعتباره كائن نفعي عقلاني يحرّك نشاطه الاقتصادي دوافع أنانية بمراكمة الأرباح والثروات. في هذه التدوينة سأوضح أن هذان الأساسان ليسا دقيقان، وسأكشف أن القراءة المتعمقة لآدم سميث ستكشف أن موقفه من علاقة الحكومة بالسوق علاقة معقدة وفيها تفاصيل كثيرة، وكذلك ستكشف أن تفسيره لسلوك الإنسان الإقتصادي ليس عقلانيا بقدر ما هو امتداد لنظريته الأخلاقية والنفسية حول الطبيعة البشرية. أكمل قراءة التدوينة

فهم الاحتلال … شرط فهم التطبيع والمقاطعة والمقاومة

منذ احتلال العراق عام 2003، اشتعلت في المنطقة العربية حرب باردة بين محورين درج الإعلام على تسميتهما بمحوري المقاومة والاعتدال. وعندما أشعل التونسي، محمد البوعزيزي، نفسه معلنا انطلاق الربيع، ارتفعت الآمال ببروز طريق ثالث غير هذين المحورين، طريق لا يجعل النضال لأجل فلسطين مناقضا لمطلب الديمقراطية، وطريق لا يجعل مطلب الديمقراطية مشروطا بالتخلي عن فلسطين. إلا أن هذه الآمال حطمها هذان المحوران، حيث أدى الربيع العربي إلى تحويل تلك الحرب الباردة إلى أخرى أكثر حرارة بكثير.في خضمّ هذا الصراع، تنشط النخب الفكرية والأجهزة الإعلامية التابعة لهذا المحور وذاك، في إعادة تعريف المفاهيم، واستغلال القيم، وتوظيف ما هو ثمين وغال (كالقضية الفلسطينية) في قلوب وعقول الشعوب العربية، لخدمة مصالح وغايات هذا المحور وذاك.

وهذا الظرف هو ما يجعل الواحد منّا، نفسه، مندهشا من حجم التشويش وانعدام الوضوح في قضايا ومفاهيم يفترض بها أن تكون دوما واضحة. لهذا السبب سأقوم في هذا المقال بشرح ثلاثة مفاهيم: التطبيع، والمقاطعة، والمقاومة. وسأقوم بذلك عن طريق إعادة الاعتبار لمعنى “الإحتلال”، ذلك أن نسيان أن القضية الفلسطينية في جوهرها هي قضية احتلال استيطاني، وليست نزاعا حدوديا، هي الخطوة الأولى نحو انعدام الوضوح.

لنبدأ القصّة من أولها: كان هناك شعب عربي فلسطيني يعيش على أرض فلسطين. بعد ذلك، جاءت مجموعة من الصهاينة الأوروبيين، بالتعاون مع الدول الأوروبية، إلى أرض الفلسطينيين واستعمروها، وطردوهم منها، وأسسوا عليها عام 1948 دولة لهم سموها “اسرائيل”.

الفلسطينيون الآن إما يعيشون كلاجئين في العديد من دول العالم، أو تحت الاحتلال الصهيوني. فالقضية في جوهرها هي اغتصاب أرض وتشريد شعب، وليست قضية دينية (فالصهيونية حركة علمانية، والقدس لم تُحتَل إلا عام 1967).

الآن، بماذا يختلف الاحتلال الصهيوني عن غيره من أنواع الاحتلال؟ الجواب: أنه احتلال استيطاني. فالاحتلال أنواع: هناك احتلال لأغراض سياسية واقتصادية، يكون فيه الأجنبي هو المسيطر سياسيا بشكل مباشر على شعب ما، ويدخل في هذا التصنيف الاحتلال الأميركي للعراق.… وهناك احتلال استيطاني.

في الاحتلال الاستيطاني يقوم الأجنبي بتأسيس كيان سياسي له ولشعبه فوق أرض ما على حساب الشعب الأصلي. في النوع الأول، مهما طالت مدة إقامة المحتل، فهو يعود من حيث جاء، في حين في النوع الثاني، يأتي المحتل الاستيطاني ليبقى. في النوع الأول المحتل يعمل لمصلحة بلد بعيد، في حين أن المحتل الاستيطاني يعمل لمصلحة الكيان الاستيطاني الجديد الذي قام بإنشائه. في النوع الأول، المحتل يستغل الشعب الأصلي، في النوع الثاني، المحتل يستبدل الشعب الأصلي ويلغيه.

هذه التمييزات التحليلية تجعل ظواهر مثل التطهير العرقي للسكان الأصليين، السياسات العنصرية اتجاههم، الفوقية، الإقصاء، ضرورية لبقاء الاحتلال الاستيطاني، في حين أنها ليست ضرورية في النوع الأول من الاحتلال الذي لا يجد مانعا – كما كان يفعل الاحتلال البريطاني – من تأهيل نخبة محليّة وتوظيفها لتخفيف أعباء السيطرة على هذا البلد لصالح مركز الإمبراطورية، أو حرصه على الكدح رخيص الثمن، الذي يمكن استغلاله في المستعمرات.

إن الأمثلة على الاحتلال الاستيطاني ليست محصورة بالاحتلال الصهيوني، بل هناك أمثلة أخرى… كالاحتلال الفرنسي في الجزائر، والاحتلال الاستيطاني في جنوب أفريقيا.

من هذا التحليل، نستطيع استنتاج أن الانتصار بالنسبة إلى المحتل الاستيطاني يكتمل عندما يتم الاعتراف به – من الشعب المُحتَل – باعتباره “شعبا طبيعيا” على الأرض، التي استولى عليها وطرد شعبها منها. أميركا مثال على هذا الانتصار للمحتل الاستيطاني الذي استطاع أن يبيد ويطهّر ويخضع السكان المحليين، حتى أصبح وجوده هناك “طبيعيا”.

النتيجة الأولى، إذن، من هذا الكلام هي أن التطبيع- أي الاعتراف بالصهاينة “كشعب طبيعي في فلسطين”- يعني المساهمة في انتصارهم. إن استطاعت إسرائيل كسب اعتراف العالم أجمع، فهذا يكسبها قوّة كبيرة، لكنه لا يجعلها منتصرة.

انتصار الصهيونية يتحقق فقط عندما يعترف بها العرب كدولة طبيعية، ذلك أن العرب هم الخاضعون للاحتلال. لهذا يكون التطبيع خيانة وإعلان استسلام، ولا يمكن النظر إليه كتكتيك أو مناورة سياسية.

من هذا التحليل أيضاً، يتبيّن أن واجبات العرب تختلف عن واجبات غيرهم، لأن الأرض المسلوبة عربيّة، ولأن الشعب المهجّر والمنتهكة حقوقه عربيّ. فكون قضية فلسطين قضية عربية يعني أن العرب ليسوا فيها مراقبين محايدين، أو طرفاً ثالثاً، بل هم الطرف الخاضع للاحتلال الاستيطاني، وبالتالي واجباتهم ومسؤولياتهم تختلف عن واجبات ومسؤوليات غيرهم.

فإن كان أقصى ما يراد من غيرهم هو المقاطعة، فإن هذا الواجب هو أقل ما يراد من العرب. والمقاطعة هي كل نشاط يهدف لنزع الشرعية وعزل العدوّ الصهيوني سياسيا وثقافيا واقتصاديا وغيره.

إن انتشار ثقافة وحركة المقاطعة أمر حميد وضروري، لكن يجب التذكير دائما بأنه أقل واجبات العرب. أما أعلى واجباتهم فهو المقاومة. والمقاومة لا تنحصر فقط في الأنشطة العسكرية، بل تشمل كل نشاط – عسكري أم سلمي أم اقتصادي – لا يهدف فقط لنزع الاعتراف والشرعية عن الصهاينة بل في هزيمتهم وإنهاء احتلالهم.

لهذا هناك تداخل بين المقاطعة والمقاومة، حيث أن الأولى يمكن أن تتحول إلى الثانية، لأنها تتضمن نوعا من الإضعاف غير المباشر.

صحيح أن شعارات مثل المقاومة ونصرة فلسطين تمت الإساءة لها وتلطيخها بالدماء البريئة من قبل الدول التي تبنتها، وليس آخرها إلا ما يدعى بمحور وحركات المقاومة، وهذه الظاهرة دفعت بعض العرب للكفر بهذه الشعارات.

لكن أليس هذا قدر كل الشعارات النبيلة؟ إن كان استغلال الظلمة للشعارات النبيلة مبررا للتخلي عنها، فيجب التخلي عن كل شعار وقيمة نبيلة: كالحرية والعدالة والرفاه، فهذه كلها تم استغلالها لأعمال الشر.

علي الوردي … منظّر الإحباط العربي

في قصيدته “كلمات سبارتكوس الأخيرة”، يقول أمل دنقل: “لا تحلموا بعالمٍ سعيد/ فخلف كل قيصر يموت/ قيصر جديد/ وخلف كل ثائر يموت/ أحلام بلا جدوى/ ودمعة سدى”. هذه أبيات محبطة، تخبرنا أنه ليس ثمّ من أمل، وأن نتيجة كل عملية تغيير ستكون إعادة إنتاج الوضع القائم.لا يعني الإحباط فقط انعدام الشعور بالأمل، بل فقدانه، فمن لم يأمل قط لن يُحبط، لكن وحده الذي كان يأمل يحبط. إنها حالةٌ مخيفةٌ أن يقتنع المرء بأنه ما من ثمّ من خلاص، وأن كل أملٍ بالخلاص تبدّد، ولم يبق إلا الفراغ الذي نسميه إحباطاً. وإذا كان أمل دنقل قد عبّر عن إحباطه العام بأبياتٍ شعرية، فإن علي الوردي صاغ هذا الإحباط على شكل نظريةٍ وفكر متقنّعة بلغة نهضوية.

أي فكر تحرّري أو نهضوي أو إصلاحي، أيّاً كان الوصف المناسب، ينطلق من أسئلةٍ من نوع: كيف ننهض؟ كيف نتجاوز أوضاعنا وظروفنا الحالية السيئة؟ وغيرها من الأسئلة التي تنطلق من مسلّمة أن التغيير ممكن، فهي وإن كانت تقرّ بوجود واقع وظروف سيئة، إلا أنها بطرحها هذه الأسئلة تعتبره واقعاً غير أبدي، قابل للتجاوز والإصلاح. أما الفكر المحبط، فإنه يعتبر هذا الواقع السيئ وهذه الظروف السيئة أبدية، أسبابها جوهريّة، لا يمكن تجاوزها أو التخلّص منها. فتصبح كل طريقة تفكير تعد بالتغيير وإمكانية إصلاح الأمور للأفضل هي طريقة تفكير خدّاعة، وغير موضوعية، ولا علمية.

يمكن اعتبار علي الوردي رائداً لهذا التيار الفكري المحبَط في العالم العربي، فبالنسبة له، التاريخ العربي بشكل عام، والتاريخ العراقي خصوصاً، محكومٌ بصراع واحد دوري، هو صراع البداوة والحضارة. فكرة الصراع بين البداوة والحضارة ليست جديدة، نجد بعض أصولها عند ابن خلدون، كما صوّره وعمّمه آرنولد توينبي، وكلا هذين الاثنين محل تقدير عند الوردي، ولا ينكر مديونيته لهما، فعبر المزج بين أطروحتيهما، خرج بهذه الفكرة: أن المنطقة الواقعة شمال الوطن العربي كانت مغطاةً بالجليد، حتى قبل عشرة آلاف عام، وهذا كان له الأثر في جعل الوطن العربي منطقة خصبة زراعية لا توجد فيها صحارى. ومع انحسار الجليد إلى الشمال، بدأت تظهر الصحارى، وبدأ يضيق على الناس رزقهم، فاختار قومٌ منهم الزراعة (وهذا منشأ الحضارة)، في حين اختار آخرون الرعي في الصحراء (وهذا منشأ البداوة)، ومنذ تلك اللحظة قبل عشرة آلاف سنة، وتاريخ المنطقة هو تاريخ صراعٍ بين العنصرين.

ولا يوجد هذا الصراع بين الحضارة والبداوة بالدرجة نفسها في الأقطار العربية، فهناك أقطار تقل فيها البداوة (مصر مثلاً)، وهناك أقطار تزداد فيها (كنجد وليبيا)، إلا أن القطر الذي يتفرّد بوضوح هذا الصراع فيه ويتميز به، هو العراق، لأن أنهاره تتيح نشوء حضارةٍ قويّةٍ ودولٍ قويّة، لكن وجوده على حافة صحراء الجزيرة العربية بلا أي حائل بينهما يجعل الأخيرة خزاناً للبداوة، يقذف في وجه العراق في كل فترة موجةً من البدو المهاجرين الذين يمنعون الدول الناشئة في العراق من الاستمرار والتطوّر.

في هذا التصوّر العام للتاريخ خاصيتان: الأولى، إرجاع كل الإشكالات والأحداث الكبرى في المنطقة والعراق لهذا الصراع بين البداوة والحضارة، فضمن هذا الإطار التفسيري، تصبح ثورة العشرين ضد الاحتلال الإنكليزي في العراق ليست سوى انتفاضة بدوية مشحونة بالمصالح الشخصية، ويصبح صعود “البعث” التكريتي ردة فعل للبداوة تجاه الحضارة. أما الثانية، فهي التعامل مع التاريخ، باعتباره دورةً مقفلة، يدور فيها سكان المنطقة باستمرار، بحيث لا يمكنهم الخروج منها أو التخلص منها، فبحسب النظرية لا يمكن للمجتمع العراقي أن يتجاوز هذا الصراع بين البداوة والحضارة والتحوّل إلى شعب حديث، بل هم محكومون بما لخصه الوردي في عنوان أحد فصوله (الحرب الدائمة في العراق). إنها نظريةٌ محبِطة، فما نعتبره استعماراً، واستقلالاً، وثورات، وتأميماً، وانتفاضات، وسعياً نحو الاستقلال والحرية والديمقراطية ليس إلا مظاهر خدّاعة، تخفي وراءها صراعاً واحداً بين البداوة والحضارة، محكوماً بمنطق واحد، وبدورة مستمرة.

بالإضافة إلى هاتين الخاصيتين، يقدّم علي الوردي تفسيراً لتمييز المجتمع العراقي عن غيره من المجتمعات العربيّة، ففي هذا الإطار التفسيري، لا تعود الاختلافات بين المجتمعات إلى أسبابٍ ظرفية (مؤسساتية، أو اقتصادية، أو سياسية)، بل لمزيج من التحليلات الثقافوية والجغرافية تجعل للعراقيين خصوصية تاريخية، وتحوّلهم إلى استثناء عن السنن التاريخية التي تحكم غيرهم. فالظروف الجغرافية الاستثنائية المذكورة آنفاً تخلق “ثقافةً اجتماعية”، يعرّفها الوردي بأنها للمجتمع مثل ما هي الشخصية للفرد، ومثلما أنه لا يوجد أفراد متشابهون، فكذلك لا توجد أمم متشابهة، والثقافة الاجتماعية هي التي تصوغ شخصيات أفرادها.

فشل الدولة الوطنية العربية يغذّي من هذا الشعور بالإحباط العام، وعدم تصديق أي سعي تحرّري. تذكر المؤرخة، دينا خوري، أن مثقفين عراقيين كثيرين بعد حرب الخليج والحصار الذي أدى إلى ضعف الدولة العراقية وصعود القبلية والطائفية السياسية عادوا إلى إحياء أطروحات الوردي، حيث وجدوا فيها منبعاً للفهم، فالطائفية والقبلية ليستا نتيجة ظروف سياسية وتاريخية محدّدة، بل هي أمور طبيعية في المجتمع العراقي، سببها صراع البداوة والحضارة. وتم تجاهل كل الأطروحات التقدمية التي وضعت العراق بلداً عالم ثالثياً، خاض صراعاً مع الاستعمار، وسعى إلى الحداثة، وفشل وأخفق وخاض حروباً؛ تم تجاهل هذه الأطروحات باعتبارها لا تدرك “طبيعة المجتمع العراقي” (وهذا أحد عناوين كتب الوردي) القائم على صراع أبدي بين الحضارة والبداوة.

قدّم الوردي هذه النظرية المحبطة بأسلوب سهل بسيط شيّق، جعل منه مقروءاً بشكل واسع. كما أنه قدّمها تحت يافطات (العلمية) و(الموضوعية) و(البعد عن الوعظية) ومحاربة (وعاظ السلاطين). كما أنه قدّمها، أخيراً، ضمن مشروع (علم اجتماع عربي جديد). أي أنه قدّمها بلغةٍ نقديةٍ ضد بعض التقاليد الفكرية المتسلطة، فأصبح لأفكاره وتفسيراته الثقافية والجغرافية والجوهرانية تقبل وديمومة وانتشار، فهي للوهلة الأولى تدفع قارئها لأن يفرّ من طرق التفكير (التقليدية) وتبني نظرة (نقدية) من دون أن يتنبه إلى أنها أيضاً نظريةٌ محبطةٌ، تقول بمجلدات كثيرة، ما لخصه أمل دنقل في بيت واحد: لا تحلموا بعالم سعيد.

لكن، لا بد أن يكون واضحاً أن الخلود للإحباط وفقدان الأمل هو خيار واحد فقط ضمن الخيارات المتاحة أمام الوضع البائس الذي خلفته الثورات المضادة للربيع العربي، فبالإمكان تبني موقف نقدي غير محبط، موقف نقدي مدفوع بالتفاؤل بأن هناك ثمّ من خلاص. فمشكلاتنا مهما بلغ سوؤها ظرفية وليست دائمة، يمكن تفسير أسبابها وتحليلها من دون اعتبارها نتيجةً طبيعيةً حتميةً لثقافةٍ كامنةٍ لا تتأثر بالتاريخ. يمكن لنا، على عكس الوردي ومحبطيه، أن نقول، مدفوعين بالأمل، وبمجلدات كثيرة، ما لخصه شاعر العراق بدر شاكر السيّاب في بيت من قصيدته “سربروس في بابل”، حيث قال: سيولد الضياء/ من رحمٍ/ ينزّ بالدماء.

وهم النظام الرئاسي… نهاية الديمقراطية في تركيا

اعتبر معلّقون عرب كثيرون أن الاستفتاء الدستوري التركي الذي أُجري في 16 إبريل/نيسان يعني انتقال تركيا من نظام ديمقراطي برلماني إلى نظام ديمقراطي رئاسي. هذا غير صحيح؛ ما عناه الاستفتاء هو خروج تركيا من الديمقراطية ككل إلى شكل من السلطوية يسمى “السلطوية التنافسية”.

لكن، قبل إثبات وجهة النظر هذه، يجب تبديد الانطباعات المبدئية. صحيح أن هناك خصوماً كثيرين للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحزبه “العدالة والتنمية”، في داخل بلاده وخارجها، يردّدون مقولة أن التعديلات تعني نهاية الديمقراطية في تركيا. صحيحٌ أيضا أن هؤلاء مغرضون، لا تهمهم الديمقراطية، ولا تهمهم الحقيقة أصلا، بل كل همهم هو النيل من أردوغان، إما لأنهم معادون للإسلاميين عموما، أو مناصرون لإيران أو النظام السوري أو أنظمة محدّدة في الخليج. لكن، لا يغيّر من صحّة المقولة أن أنذالا يردّدونها، فمعيار الصحة والخطأ هو الحجج التي تقدّم لصالحها، وليس ولاءات من يستغلون صحتها وتحيّزاتهم.

الأمر الآخر، قد يكون أردوغان محدّثاً اقتصادياً كبيراً، وقد تكون سياساته الخارجية مناصرة للعرب والمسلمين، لكن كل هذه الأمور خارج النقاش هنا، ما نناقشه: هل ما قام به تحوّل من شكل ديمقراطي إلى آخر، أم خروج عن الديمقراطية؟

بالعودة إلى السلطوية التنافسية، هناك مثال. في العام 1929، تسلّم الحزب الثوري المؤسساتي في المكسيك السلطة، وبقي فيها 71 سنة، ولم يخسر الانتخابات إلا في عام 2000. خلال هذه الفترة الطويلة، فاز الحزب بتسعة انتخابات رئاسية متعاقبة، وبالأغلبية البرلمانية إحدى عشرة مرة متتابعة. وفي 1997 خسر الأغلبية في البرلمان، وفي 2000 خسر الرئاسة.

يختلف هذا النوع من النظام عن نظامٍ مثل نظام حسني مبارك السابق في مصر، حيث توجد مظاهر ديمقراطية شكلية بلا مضمون حقيقي، وحيث الانتخابات غير نزيهة (تزوّر)، ولا حرّة (قيود كثيرة لمن يحق له الترشح). في المكسيك، كانت الانتخابات نزيهةً وحرّة، وكانت هناك أحزاب أخرى مسموح لها بالمنافسة على المناصب كافة. ومع ذلك، لا يعتبر النظام ديمقراطيا، لأنه، ببساطة، لا يكفي أن تكون الانتخابات حرّة ونزيهة حتى يكون النظام ديمقراطيا. 

كثيرون من علماء السياسة، مثل ليفيتسكي ووي وماجالوني وغيرهما، يضعون شرطا إضافيا للتمييز بين نظامٍ مثل نظام المكسيك ونظام ديمقراطي يسمونه “الميدان التنافسي”. وفي الأنظمة التي يكون فيها ميدان التنافس مصمما بحيث يفيد منه أكثر من حزب واحد، فنحن هنا نتكلم عن ديمقراطية، أما إذا كان ميدان التنافس منحازا إلى حزب واحد، ومصمما لخدمته فقط، فنحن هنا نتكلم عن سلطويةٍ تنافسية. فهي تنافسيةٌ لأنها تسمح بالانتخابات، وتسمح بوجود أحزاب معارضة، لكنها سلطويةٌ، لأن الميدان مصممٌ بحيث لن يكون في مقدور هذه الأحزاب والمعارضة الفوز بأي انتخابات مقبلة.

ما المقصود بميدان تنافسي منحاز؟ المقصود أن هناك قوانين ومؤسسات وإجراءات رسمية وقانونية تجعل من قدرة بقيّة الأحزاب على المنافسة في الانتخابات أضعف بشكل كبير جدا من قدرة حزب واحد. ومثالاً على قدرة الحزب الحاكم على إخراس خصومه ما فعله أردوغان في الفترة بين محاولة الانقلاب في 15 يوليو/تموز 2016 إلى ليلة الاستفتاء في 16 إبريل/نيسان الجاري. فحسب وزارة الداخلية التركية، ألقي القبض على 113266 مواطنا، وتم توجيه التهم لـ47155 شخصاً منهم. وبحسب “صحفيون بلا حدود”، تم منع 2700 صحفي وسجن 130 منهم، وإيقاف 149 منصّة إعلامية، و29 دار نشر. ويحدث هذا كله ضمن حالة طوارئ. كل هذا يعني أن الميدان التنافسي (الإعلام، المؤسسات الحزبية والحقوقية والمدنية، السياسيين) منحاز بشكل واضح لجهةٍ واحدة، فقدرة المعارض للاستفتاء على إقناع الجمهور (عبر الإعلام، عبر الجامعة، عبر الشارع.. إلخ) مقيّدة ومحدّدة ومسيطر عليها.

لا يتوقف الأمر هنا، فالتعديلات نفسها تجعل انحياز هذا الميدان ممأسسا ودستوريا. فالبرلمان الديمقراطي يقوم بدورين: يشرّع القوانين ويراقب الحكومة، والتعديلات الدستورية تجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، على البرلمان مراقبة الحكومة، فالرئيس يعين أعضاء الحكومة ويعزلهم، ويؤسس وزاراتٍ، ويلغي أخرى من دون أي تدخل من البرلمان والقضاء. كما أن البرلمان لا يستطيع استجواب الرئيس أو طرح الثقة عنه، وكل ما يستطيع فعله، بشرط موافقة الأغلبية المطلقة، توجيه تهم له لدى المحكمة العليا التي يعين الرئيس غالبية أعضائها. أما الوظيفة التشريعية للبرلمان، فالتعديلات تعطي للرئيس حق إصدار المراسيم في الأمور التي لم يتقرّر بشأنها قانون، وعندما يستخدم الرئيس حق النقض، على البرلمان حشد أغلبية مطلقة لكي يستطيع كسر هذا النقض.

ليس هذا نظاما رئاسيا، فصحيحٌ أن النظام الرئاسي يجعل الرئاسة أقوى من البرلمان، لكنه يفعل ذلك من دون الإخلال بمبدأ توازن السلطات (أي قدرة كل سلطة بالحد من السلطة الأخرى). 

 لنأخذ النموذج الأميركي، فالرئيس لا يعين أحدا من حكومته من دون موافقة الكونغرس، ولا يعين أحدا من قضاة المحكمة الدستورية من دون موافقة الكونغرس أيضا. يستطيع الجهاز القضائي تعطيل قرارات الرئيس، والحكم بعدم دستوريتها. يستطيع البرلمان استجواب من يشاء من الحكومة، ولا يستطيع الرئيس حلّه. في المقابل، ماذا لدى البرلمان والقضاء التركيين من قدرة على الحدّ من سلطة الرئيس؟ برلمان لا يملك إلا نزرا يسيرا من قدرته الرقابية، ومحاصر في قدرته التشريعية أمام رئاسةٍ لا تُساءَل، ومطلقة اليد في التعيين والفصل.

هذا نظام يتيح للحزب الذي يستطيع كسب 51% من الأصوات أن يحكم بشكل مطلق. ويستطيع حزب أردوغان الفوز بهذه النسبة، على المدى القريب على الأقل، لأن الميدان التنافسي منحازٌ لصالحه، فبالإضافة إلى القيود الدستورية الموجودة من انقلاب الثمانينيات التي تشترط حدا أدنى من الأصوات للدخول للبرلمان، والتي تعيق الأحزاب الصغيرة من المنافسة، وبالإضافة إلى سياسات اتهام الخصوم السياسيين بالإرهاب، والتضييق على الإعلام (تركيا أكبر سجن للصحافيين في العالم)، وبالإضافة إلى سياسات التجنيس لكسب أصواتٍ جديدة، هناك أيضا تسييس للخدمات الحكومية، من أجل كسب مزيد من الأصوات.

في دراسة لعالم السياسة التركي، إردم آيتاش، الأستاذ في جامعة ييل، حاول فيها استكشاف العلاقة بين الخدمات الحكومية التركية واتجاهات التصويت في الانتخابات من العام 2005 إلى 2008. أورد أن في تركيا برنامج “التمويل المشروط”، تدفع الحكومة بموجبه مبالغ مالية محدّدة للأسر الفقيرة بشرط أن تستثمرها في تعليم أبنائها. وفي العام 2012 قرابة ثلاثة ملايين طفل منخرط في هذا البرنامج، في ميزانية تقدر بـ690 مليون دولار. من السهل تسييس هذه الدفعات، نظرا إلى قدرة الحزب على التأثير في اللجنة المانحة. وفي 2009، وقبل الانتخابات، استخدم أحد حكام المناطق البرنامج لتمويل عدد من الأسر، فرفعت عليه دعوى، وحكمت عليه المحكمة لتسييسه منصبه، وفُصل، لكن أردوغان عاد فعيّنه في منطقة أكبر. درس آيتاش 878 محافظة، وبحث أي المحافظات التي يكون لها دعم أكثر من غيرها. كانت النتيجة، أن الإنفاق يزداد في المناطق التي يكون فيها حزب منافسٌ مقارب أيديولوجيا.

في الختام، كل الصفات المدرسية التي تقال عن نظام السلطوية التنافسية مطابقٌ لحزب أردوغان، وليس هذا الاستفتاء إلا مأسسة وترسيخاً لها. وهذا مؤسف لكل من تهمّه الديمقراطية في المنطقة. أما من تهمه إسلامية أردوغان، أو سياساته الاقتصادية، أو سياساته الخارجية، أو دعمه الإسلاميين، فهذا بالطبع لن يجد في الديمقراطية ما يتحسّر عليه. لكن، من المهم جدا أن لا يخدع نفسه ويخدعنا، ويسمي ما حصل تحوّلاً إلى نظام ديمقراطي رئاسي.