علي الوردي … منظّر الإحباط العربي

في قصيدته “كلمات سبارتكوس الأخيرة”، يقول أمل دنقل: “لا تحلموا بعالمٍ سعيد/ فخلف كل قيصر يموت/ قيصر جديد/ وخلف كل ثائر يموت/ أحلام بلا جدوى/ ودمعة سدى”. هذه أبيات محبطة، تخبرنا أنه ليس ثمّ من أمل، وأن نتيجة كل عملية تغيير ستكون إعادة إنتاج الوضع القائم.لا يعني الإحباط فقط انعدام الشعور بالأمل، بل فقدانه، فمن لم يأمل قط لن يُحبط، لكن وحده الذي كان يأمل يحبط. إنها حالةٌ مخيفةٌ أن يقتنع المرء بأنه ما من ثمّ من خلاص، وأن كل أملٍ بالخلاص تبدّد، ولم يبق إلا الفراغ الذي نسميه إحباطاً. وإذا كان أمل دنقل قد عبّر عن إحباطه العام بأبياتٍ شعرية، فإن علي الوردي صاغ هذا الإحباط على شكل نظريةٍ وفكر متقنّعة بلغة نهضوية.

أي فكر تحرّري أو نهضوي أو إصلاحي، أيّاً كان الوصف المناسب، ينطلق من أسئلةٍ من نوع: كيف ننهض؟ كيف نتجاوز أوضاعنا وظروفنا الحالية السيئة؟ وغيرها من الأسئلة التي تنطلق من مسلّمة أن التغيير ممكن، فهي وإن كانت تقرّ بوجود واقع وظروف سيئة، إلا أنها بطرحها هذه الأسئلة تعتبره واقعاً غير أبدي، قابل للتجاوز والإصلاح. أما الفكر المحبط، فإنه يعتبر هذا الواقع السيئ وهذه الظروف السيئة أبدية، أسبابها جوهريّة، لا يمكن تجاوزها أو التخلّص منها. فتصبح كل طريقة تفكير تعد بالتغيير وإمكانية إصلاح الأمور للأفضل هي طريقة تفكير خدّاعة، وغير موضوعية، ولا علمية.

يمكن اعتبار علي الوردي رائداً لهذا التيار الفكري المحبَط في العالم العربي، فبالنسبة له، التاريخ العربي بشكل عام، والتاريخ العراقي خصوصاً، محكومٌ بصراع واحد دوري، هو صراع البداوة والحضارة. فكرة الصراع بين البداوة والحضارة ليست جديدة، نجد بعض أصولها عند ابن خلدون، كما صوّره وعمّمه آرنولد توينبي، وكلا هذين الاثنين محل تقدير عند الوردي، ولا ينكر مديونيته لهما، فعبر المزج بين أطروحتيهما، خرج بهذه الفكرة: أن المنطقة الواقعة شمال الوطن العربي كانت مغطاةً بالجليد، حتى قبل عشرة آلاف عام، وهذا كان له الأثر في جعل الوطن العربي منطقة خصبة زراعية لا توجد فيها صحارى. ومع انحسار الجليد إلى الشمال، بدأت تظهر الصحارى، وبدأ يضيق على الناس رزقهم، فاختار قومٌ منهم الزراعة (وهذا منشأ الحضارة)، في حين اختار آخرون الرعي في الصحراء (وهذا منشأ البداوة)، ومنذ تلك اللحظة قبل عشرة آلاف سنة، وتاريخ المنطقة هو تاريخ صراعٍ بين العنصرين.

ولا يوجد هذا الصراع بين الحضارة والبداوة بالدرجة نفسها في الأقطار العربية، فهناك أقطار تقل فيها البداوة (مصر مثلاً)، وهناك أقطار تزداد فيها (كنجد وليبيا)، إلا أن القطر الذي يتفرّد بوضوح هذا الصراع فيه ويتميز به، هو العراق، لأن أنهاره تتيح نشوء حضارةٍ قويّةٍ ودولٍ قويّة، لكن وجوده على حافة صحراء الجزيرة العربية بلا أي حائل بينهما يجعل الأخيرة خزاناً للبداوة، يقذف في وجه العراق في كل فترة موجةً من البدو المهاجرين الذين يمنعون الدول الناشئة في العراق من الاستمرار والتطوّر.

في هذا التصوّر العام للتاريخ خاصيتان: الأولى، إرجاع كل الإشكالات والأحداث الكبرى في المنطقة والعراق لهذا الصراع بين البداوة والحضارة، فضمن هذا الإطار التفسيري، تصبح ثورة العشرين ضد الاحتلال الإنكليزي في العراق ليست سوى انتفاضة بدوية مشحونة بالمصالح الشخصية، ويصبح صعود “البعث” التكريتي ردة فعل للبداوة تجاه الحضارة. أما الثانية، فهي التعامل مع التاريخ، باعتباره دورةً مقفلة، يدور فيها سكان المنطقة باستمرار، بحيث لا يمكنهم الخروج منها أو التخلص منها، فبحسب النظرية لا يمكن للمجتمع العراقي أن يتجاوز هذا الصراع بين البداوة والحضارة والتحوّل إلى شعب حديث، بل هم محكومون بما لخصه الوردي في عنوان أحد فصوله (الحرب الدائمة في العراق). إنها نظريةٌ محبِطة، فما نعتبره استعماراً، واستقلالاً، وثورات، وتأميماً، وانتفاضات، وسعياً نحو الاستقلال والحرية والديمقراطية ليس إلا مظاهر خدّاعة، تخفي وراءها صراعاً واحداً بين البداوة والحضارة، محكوماً بمنطق واحد، وبدورة مستمرة.

بالإضافة إلى هاتين الخاصيتين، يقدّم علي الوردي تفسيراً لتمييز المجتمع العراقي عن غيره من المجتمعات العربيّة، ففي هذا الإطار التفسيري، لا تعود الاختلافات بين المجتمعات إلى أسبابٍ ظرفية (مؤسساتية، أو اقتصادية، أو سياسية)، بل لمزيج من التحليلات الثقافوية والجغرافية تجعل للعراقيين خصوصية تاريخية، وتحوّلهم إلى استثناء عن السنن التاريخية التي تحكم غيرهم. فالظروف الجغرافية الاستثنائية المذكورة آنفاً تخلق “ثقافةً اجتماعية”، يعرّفها الوردي بأنها للمجتمع مثل ما هي الشخصية للفرد، ومثلما أنه لا يوجد أفراد متشابهون، فكذلك لا توجد أمم متشابهة، والثقافة الاجتماعية هي التي تصوغ شخصيات أفرادها.

فشل الدولة الوطنية العربية يغذّي من هذا الشعور بالإحباط العام، وعدم تصديق أي سعي تحرّري. تذكر المؤرخة، دينا خوري، أن مثقفين عراقيين كثيرين بعد حرب الخليج والحصار الذي أدى إلى ضعف الدولة العراقية وصعود القبلية والطائفية السياسية عادوا إلى إحياء أطروحات الوردي، حيث وجدوا فيها منبعاً للفهم، فالطائفية والقبلية ليستا نتيجة ظروف سياسية وتاريخية محدّدة، بل هي أمور طبيعية في المجتمع العراقي، سببها صراع البداوة والحضارة. وتم تجاهل كل الأطروحات التقدمية التي وضعت العراق بلداً عالم ثالثياً، خاض صراعاً مع الاستعمار، وسعى إلى الحداثة، وفشل وأخفق وخاض حروباً؛ تم تجاهل هذه الأطروحات باعتبارها لا تدرك “طبيعة المجتمع العراقي” (وهذا أحد عناوين كتب الوردي) القائم على صراع أبدي بين الحضارة والبداوة.

قدّم الوردي هذه النظرية المحبطة بأسلوب سهل بسيط شيّق، جعل منه مقروءاً بشكل واسع. كما أنه قدّمها تحت يافطات (العلمية) و(الموضوعية) و(البعد عن الوعظية) ومحاربة (وعاظ السلاطين). كما أنه قدّمها، أخيراً، ضمن مشروع (علم اجتماع عربي جديد). أي أنه قدّمها بلغةٍ نقديةٍ ضد بعض التقاليد الفكرية المتسلطة، فأصبح لأفكاره وتفسيراته الثقافية والجغرافية والجوهرانية تقبل وديمومة وانتشار، فهي للوهلة الأولى تدفع قارئها لأن يفرّ من طرق التفكير (التقليدية) وتبني نظرة (نقدية) من دون أن يتنبه إلى أنها أيضاً نظريةٌ محبطةٌ، تقول بمجلدات كثيرة، ما لخصه أمل دنقل في بيت واحد: لا تحلموا بعالم سعيد.

لكن، لا بد أن يكون واضحاً أن الخلود للإحباط وفقدان الأمل هو خيار واحد فقط ضمن الخيارات المتاحة أمام الوضع البائس الذي خلفته الثورات المضادة للربيع العربي، فبالإمكان تبني موقف نقدي غير محبط، موقف نقدي مدفوع بالتفاؤل بأن هناك ثمّ من خلاص. فمشكلاتنا مهما بلغ سوؤها ظرفية وليست دائمة، يمكن تفسير أسبابها وتحليلها من دون اعتبارها نتيجةً طبيعيةً حتميةً لثقافةٍ كامنةٍ لا تتأثر بالتاريخ. يمكن لنا، على عكس الوردي ومحبطيه، أن نقول، مدفوعين بالأمل، وبمجلدات كثيرة، ما لخصه شاعر العراق بدر شاكر السيّاب في بيت من قصيدته “سربروس في بابل”، حيث قال: سيولد الضياء/ من رحمٍ/ ينزّ بالدماء.

وهم النظام الرئاسي… نهاية الديمقراطية في تركيا

اعتبر معلّقون عرب كثيرون أن الاستفتاء الدستوري التركي الذي أُجري في 16 إبريل/نيسان يعني انتقال تركيا من نظام ديمقراطي برلماني إلى نظام ديمقراطي رئاسي. هذا غير صحيح؛ ما عناه الاستفتاء هو خروج تركيا من الديمقراطية ككل إلى شكل من السلطوية يسمى “السلطوية التنافسية”.

لكن، قبل إثبات وجهة النظر هذه، يجب تبديد الانطباعات المبدئية. صحيح أن هناك خصوماً كثيرين للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحزبه “العدالة والتنمية”، في داخل بلاده وخارجها، يردّدون مقولة أن التعديلات تعني نهاية الديمقراطية في تركيا. صحيحٌ أيضا أن هؤلاء مغرضون، لا تهمهم الديمقراطية، ولا تهمهم الحقيقة أصلا، بل كل همهم هو النيل من أردوغان، إما لأنهم معادون للإسلاميين عموما، أو مناصرون لإيران أو النظام السوري أو أنظمة محدّدة في الخليج. لكن، لا يغيّر من صحّة المقولة أن أنذالا يردّدونها، فمعيار الصحة والخطأ هو الحجج التي تقدّم لصالحها، وليس ولاءات من يستغلون صحتها وتحيّزاتهم.

الأمر الآخر، قد يكون أردوغان محدّثاً اقتصادياً كبيراً، وقد تكون سياساته الخارجية مناصرة للعرب والمسلمين، لكن كل هذه الأمور خارج النقاش هنا، ما نناقشه: هل ما قام به تحوّل من شكل ديمقراطي إلى آخر، أم خروج عن الديمقراطية؟

بالعودة إلى السلطوية التنافسية، هناك مثال. في العام 1929، تسلّم الحزب الثوري المؤسساتي في المكسيك السلطة، وبقي فيها 71 سنة، ولم يخسر الانتخابات إلا في عام 2000. خلال هذه الفترة الطويلة، فاز الحزب بتسعة انتخابات رئاسية متعاقبة، وبالأغلبية البرلمانية إحدى عشرة مرة متتابعة. وفي 1997 خسر الأغلبية في البرلمان، وفي 2000 خسر الرئاسة.

يختلف هذا النوع من النظام عن نظامٍ مثل نظام حسني مبارك السابق في مصر، حيث توجد مظاهر ديمقراطية شكلية بلا مضمون حقيقي، وحيث الانتخابات غير نزيهة (تزوّر)، ولا حرّة (قيود كثيرة لمن يحق له الترشح). في المكسيك، كانت الانتخابات نزيهةً وحرّة، وكانت هناك أحزاب أخرى مسموح لها بالمنافسة على المناصب كافة. ومع ذلك، لا يعتبر النظام ديمقراطيا، لأنه، ببساطة، لا يكفي أن تكون الانتخابات حرّة ونزيهة حتى يكون النظام ديمقراطيا. 

كثيرون من علماء السياسة، مثل ليفيتسكي ووي وماجالوني وغيرهما، يضعون شرطا إضافيا للتمييز بين نظامٍ مثل نظام المكسيك ونظام ديمقراطي يسمونه “الميدان التنافسي”. وفي الأنظمة التي يكون فيها ميدان التنافس مصمما بحيث يفيد منه أكثر من حزب واحد، فنحن هنا نتكلم عن ديمقراطية، أما إذا كان ميدان التنافس منحازا إلى حزب واحد، ومصمما لخدمته فقط، فنحن هنا نتكلم عن سلطويةٍ تنافسية. فهي تنافسيةٌ لأنها تسمح بالانتخابات، وتسمح بوجود أحزاب معارضة، لكنها سلطويةٌ، لأن الميدان مصممٌ بحيث لن يكون في مقدور هذه الأحزاب والمعارضة الفوز بأي انتخابات مقبلة.

ما المقصود بميدان تنافسي منحاز؟ المقصود أن هناك قوانين ومؤسسات وإجراءات رسمية وقانونية تجعل من قدرة بقيّة الأحزاب على المنافسة في الانتخابات أضعف بشكل كبير جدا من قدرة حزب واحد. ومثالاً على قدرة الحزب الحاكم على إخراس خصومه ما فعله أردوغان في الفترة بين محاولة الانقلاب في 15 يوليو/تموز 2016 إلى ليلة الاستفتاء في 16 إبريل/نيسان الجاري. فحسب وزارة الداخلية التركية، ألقي القبض على 113266 مواطنا، وتم توجيه التهم لـ47155 شخصاً منهم. وبحسب “صحفيون بلا حدود”، تم منع 2700 صحفي وسجن 130 منهم، وإيقاف 149 منصّة إعلامية، و29 دار نشر. ويحدث هذا كله ضمن حالة طوارئ. كل هذا يعني أن الميدان التنافسي (الإعلام، المؤسسات الحزبية والحقوقية والمدنية، السياسيين) منحاز بشكل واضح لجهةٍ واحدة، فقدرة المعارض للاستفتاء على إقناع الجمهور (عبر الإعلام، عبر الجامعة، عبر الشارع.. إلخ) مقيّدة ومحدّدة ومسيطر عليها.

لا يتوقف الأمر هنا، فالتعديلات نفسها تجعل انحياز هذا الميدان ممأسسا ودستوريا. فالبرلمان الديمقراطي يقوم بدورين: يشرّع القوانين ويراقب الحكومة، والتعديلات الدستورية تجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، على البرلمان مراقبة الحكومة، فالرئيس يعين أعضاء الحكومة ويعزلهم، ويؤسس وزاراتٍ، ويلغي أخرى من دون أي تدخل من البرلمان والقضاء. كما أن البرلمان لا يستطيع استجواب الرئيس أو طرح الثقة عنه، وكل ما يستطيع فعله، بشرط موافقة الأغلبية المطلقة، توجيه تهم له لدى المحكمة العليا التي يعين الرئيس غالبية أعضائها. أما الوظيفة التشريعية للبرلمان، فالتعديلات تعطي للرئيس حق إصدار المراسيم في الأمور التي لم يتقرّر بشأنها قانون، وعندما يستخدم الرئيس حق النقض، على البرلمان حشد أغلبية مطلقة لكي يستطيع كسر هذا النقض.

ليس هذا نظاما رئاسيا، فصحيحٌ أن النظام الرئاسي يجعل الرئاسة أقوى من البرلمان، لكنه يفعل ذلك من دون الإخلال بمبدأ توازن السلطات (أي قدرة كل سلطة بالحد من السلطة الأخرى). 

 لنأخذ النموذج الأميركي، فالرئيس لا يعين أحدا من حكومته من دون موافقة الكونغرس، ولا يعين أحدا من قضاة المحكمة الدستورية من دون موافقة الكونغرس أيضا. يستطيع الجهاز القضائي تعطيل قرارات الرئيس، والحكم بعدم دستوريتها. يستطيع البرلمان استجواب من يشاء من الحكومة، ولا يستطيع الرئيس حلّه. في المقابل، ماذا لدى البرلمان والقضاء التركيين من قدرة على الحدّ من سلطة الرئيس؟ برلمان لا يملك إلا نزرا يسيرا من قدرته الرقابية، ومحاصر في قدرته التشريعية أمام رئاسةٍ لا تُساءَل، ومطلقة اليد في التعيين والفصل.

هذا نظام يتيح للحزب الذي يستطيع كسب 51% من الأصوات أن يحكم بشكل مطلق. ويستطيع حزب أردوغان الفوز بهذه النسبة، على المدى القريب على الأقل، لأن الميدان التنافسي منحازٌ لصالحه، فبالإضافة إلى القيود الدستورية الموجودة من انقلاب الثمانينيات التي تشترط حدا أدنى من الأصوات للدخول للبرلمان، والتي تعيق الأحزاب الصغيرة من المنافسة، وبالإضافة إلى سياسات اتهام الخصوم السياسيين بالإرهاب، والتضييق على الإعلام (تركيا أكبر سجن للصحافيين في العالم)، وبالإضافة إلى سياسات التجنيس لكسب أصواتٍ جديدة، هناك أيضا تسييس للخدمات الحكومية، من أجل كسب مزيد من الأصوات.

في دراسة لعالم السياسة التركي، إردم آيتاش، الأستاذ في جامعة ييل، حاول فيها استكشاف العلاقة بين الخدمات الحكومية التركية واتجاهات التصويت في الانتخابات من العام 2005 إلى 2008. أورد أن في تركيا برنامج “التمويل المشروط”، تدفع الحكومة بموجبه مبالغ مالية محدّدة للأسر الفقيرة بشرط أن تستثمرها في تعليم أبنائها. وفي العام 2012 قرابة ثلاثة ملايين طفل منخرط في هذا البرنامج، في ميزانية تقدر بـ690 مليون دولار. من السهل تسييس هذه الدفعات، نظرا إلى قدرة الحزب على التأثير في اللجنة المانحة. وفي 2009، وقبل الانتخابات، استخدم أحد حكام المناطق البرنامج لتمويل عدد من الأسر، فرفعت عليه دعوى، وحكمت عليه المحكمة لتسييسه منصبه، وفُصل، لكن أردوغان عاد فعيّنه في منطقة أكبر. درس آيتاش 878 محافظة، وبحث أي المحافظات التي يكون لها دعم أكثر من غيرها. كانت النتيجة، أن الإنفاق يزداد في المناطق التي يكون فيها حزب منافسٌ مقارب أيديولوجيا.

في الختام، كل الصفات المدرسية التي تقال عن نظام السلطوية التنافسية مطابقٌ لحزب أردوغان، وليس هذا الاستفتاء إلا مأسسة وترسيخاً لها. وهذا مؤسف لكل من تهمّه الديمقراطية في المنطقة. أما من تهمه إسلامية أردوغان، أو سياساته الاقتصادية، أو سياساته الخارجية، أو دعمه الإسلاميين، فهذا بالطبع لن يجد في الديمقراطية ما يتحسّر عليه. لكن، من المهم جدا أن لا يخدع نفسه ويخدعنا، ويسمي ما حصل تحوّلاً إلى نظام ديمقراطي رئاسي.

قوّة التسمية… من داعش إلى ترامب

عندما شرعت أكتب هذه المقالة، كانت الفكرة التي أريد كتابتها مختلفة. كنت أريد أن أعارض ثلاثة آراء سائدة حول الرئيس الأميركي، دونالد ترامب: الأول يروجه الليبراليون داخل أميركا وخارجها، والذي يصور ترامب شذوذا عمّا هي عليه أميركا، وتصوير ما يقوله وما يفعله باعتباره أجنبيا غريبا عمّا يجب أن تكون عليه أميركا. وكنت أريد، في اعتراضي على هذا الرأي، أن لا أقع في الفخّ الذي يقع فيه من يعارضه من أصحاب الرأي الآخر من اليساريين الذين يعتقدون أن الشر، كل الشر، هو ما تفعله أميركا، والذين يردّدون أنه لا جديد تحت الشمس، وأن ترامب مثل غيره، بل إن متبنين لهذا الرأي قد يمضون خطوة أخرى، ليقولوا إن ترامب هو من يعكس الوجه الحقيقي لأميركا. كنت أريد أن أعترض على الرأيين بطريقة تردّ أيضا على رأي ثالث، يتبناه يمينيون في أميركا وخارجها، يرى في ترامب رئيسا صادقا، وافيا بوعوده، وأن كل الدعاية القوية ضده ما هي إلا ردّة فعل الطغمة الفاسدة المتحكّمة بالإعلام والدولة العميقة. وللقيام بهذه المهمة، كنت أريد أن أتحدّث عن أكثر قرارين مثيرين، اتخذهما ترامب مطلع توليه السلطة، وأبيّن ما قام به فعلا، حظر دخول مواطني الدول العربية الست وإيران، وبناء الجدار مع المكسيك. ليس القرار الأول سوى بناء وتوسيع على قرارات وإجراءات اتخذها الرئيس السابق باراك أوباما، فسورية وليبيا توقف إصدار التأشيرات فيها منذ عام 2012، أما اليمن فتوقف منذ فبراير/ شباط 2015. أما إيران والصومال فلا توجد فيهما سفارات أميركية. وهذا يعني أنه عندما أصدر ترامب القرار، فإن مواطني هذه البلدان كانوا يجدون صعوبةً بالغة من أجل الحصول على تأشيرة أو مراجعة سفارة، وأن التكاليف التي يحتاجها السفر إلى دولة قريبة توجد فيها سفارة عالية، بحيث لا يمكن إلا لفئة صغيرة فقط الانتفاع من هذه الخدمات. بالنسبة للعراق والسودان، فالحرب في الأولى، والعلاقة الفاترة بين الثانية وأميركا، جعلت من أعداد المقبولين من الدولتين قليلةً نسبيا. 

نجد انعكاس هذا على الأعداد التي تأتي من هذه الدول إلى أميركا في الفترة السابقة للحظر، فمجموع الممنوحين تأشيرة هجرة من هذه الدول من 2013إلى2015 يتراوح من 17 ألفا إلى 19 ألفا سنويا، وهذا يمثل ما نسبته من 3% – 4% من الإجمالي الذي يتراوح من 473 ألفا إلى 531 ألفا. أما مجموع الممنوحين تأشيرة مؤقتة (للسياحة والدراسة وما إلى ذلك) فيتراوح عددهم من 68 ألفا إلى 78 ألفا، وهذا يمثل ما نسبته نحو 2٪ من الإجمالي الذي يتراوح من 3,3 ملايين إلى 5 ملايين. وبمقارنة بسيطة، يتراوح عدد التأشيرات المؤقتة التي منحت لدولة إسلامية واحدة، هي السعودية، من 108 آلاف إلى 133 ألفا، أي أنها أكثر من إجمالي هذه الدول السبع مجتمعةً بفارق كبير. وتجدر الإشارة أيضا أن نصيب الأسد من هذه التأشيرات الممنوحة لهذه الدول السبع يذهب إلى إيران (بما نسبته 40%). 

وإضافة إلى أن القادمين من هذه الدول يواجهون صعوبات قبل قرار ترامب، وإلى أن أعدادهم قليلة نسبيا، فإن الأساس القانوني الذي اعتمد عليه ترامب، في اختياره هذه الدول السبع، مبني على قرار أصدره أوباما عام 2015، يلغي فيه الإعفاء من التأشيرة لأيٍّ من مواطني الدول الأوروبية، يحمل جنسية أحد هذه الدول السبع، فكان هذا القانون هو البنية الأساسية لجمع هذه الدول معاً تحت مسمى “دول مقلقة”. 

لم يأت قرار ترامب، إذن، من الفراغ، خلافا لما يقوله الليبراليون، بل مبني على أسس وإجراءات موجودة وأرساها أوباما، لكنه يعتبر متطرفا، خلافا لما يقوله اليساريون بانعدام الفروق بين الإدارات الأميركية، في مداه وأثره. أخيرا، وهذه المرة خلافا لمحبي ترامب، فإنه لم يف بوعده، فهو لم يمنع المسلمين من دخول أميركا، بل منع ما نسبته تقل من 20% من القادمين من الدول التي يصل عدد المسلمين فيها إلى أكثر من الخمسين بالمائة (أي بدون حساب دول مثل الهند والصين اللتين يصل عدد المسلمين فيهما إلى قرابة مائتي مليون). 

ينطبق الأمر نفسه على قرار ترامب الآخر المتعلق بالجدار، فخلافا لما يتمناه الليبراليون، فإن قسما كبيرا من الحدود الأميركية والمكسيكية مسيّج لمنع المتسللين غير الشرعيين. وخلافا لما يزعمه اليساريون المؤمنون بأن سياسات أميركا لا تتغير، فإن قضية الحدود مع المكسيك لم تكن قضية مهمة، إلا ابتداء من التسعينيات، فبحسب بيتر آندرياس، صاحب كتاب “ألعاب الحدود.. تأمين الحدود المكسيكية – الأميركية”، سمح توقيع اتفاقيات التجارة المفتوحة بين دول أميركا الشمالية بمرور كل أنواع السلع، ما عدا اثنتين: المخدّرات والعمالة، أي أنه، بالتوازي

مع حريّة مرور البضائع الأخرى، بدأت أميركا إظهار غلظتها وشدّتها تجاه هذين النوعين من السلع، حيث بدأ السياسيون يتنافسون فيما بينهم، من أجل إظهار أنهم الأكثر حرصا على أعمال الأميركيين وصحتهم وأمنهم من غرمائهم، عبر اتخاذ تدابير متشدّدة تجاه الهجرة غير الشرعية، أي أن الحدّ أصبح مسرحا سياسيا، لكسب رضا الجماهير، في الداخل والخارج، أكثر من غاية منع حقيقي لتسلل هذه البضائع. وفعلا، منذ التسعينيات، تم بناء مئات الأميال من الأسياج على الحدود، واستخدمت تقنيات إلكترونية عسكرية معقدة لحماية الحدود، وآلاف الأشخاص تم توظيفهم (من 4 آلاف إلى 21 ألفا)، وطائرات بشرية ومسيّرة عديدة تحلق لمراقبة الحدود من السماء. ونتيجة هذا كله: الآلاف من القتلى من المتسللين غير الشرعيين. وبكلمة واحدة: فإن 700 ميل من الألف ميل التي وعد ترامب ببناء جدار عليها مسوّرة الآن. تعني هذه الحقائق أن ما وعد به ترامب موجود أصلا، أو على الأقل: غالبيته الكبرى، وفي هذا ردّ على من يراه، من يمينيي الداخل والخارج، صادقا وصريحا. 

ما يقوله هذان المثالان أن جزءا كبيرا من الأثر الذي أوقعهما قرارا ترامب ليس في مضمونهما وأثرهما الفعلي، بل في تسميتهما، فدعايته سمّت حظر مواطني الدول السبع “منع المسلمين”، وسمت الحواجز والأسوار الموجودة على الحدود مع المكسيك جدارا. وهذه النتيجة هي التي دفعتني لصياغة المقال بشكل مختلف، فعوضا عن الاكتفاء بكشف “حقيقة” ما فعله ترامب، والرد على المواقف الثلاثة السابقة، أحببت أن أشير إلى القوّة العجيبة التي تملكها “التسمية” وأثرها على الناس. وهذه ملاحظة كنت قد لاحظتها أول ما ظهر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وبدأت جرائم التي لا تختلف نوعيا، وأقل بكثير من ناحية العدد، من جرائم نظام الأسد أو إسرائيل، لكن ردة الفعل عليها أشد من غيرها، فيما جانب كبير من ردة الفعل هذه بسبب أن تسميتها بطريقة مختلفة. 

المشترك في تسميات ترامب و”داعش” أفعالهما أنهما يصوغانها باعتبارها موجهةً ضد فئات بشرية محددة، وليس ضد قضايا أو مشكلات عامة، فالحظر موجه ضد المسلمين، وليس لحفظ الأمن أو مقاومة الإرهاب، والجدار ضد المكسيكيين، وليس لحماية الحدود أو مكافحة المخدرات، والتفجير ضد الشيعة، وليس لإسقاط الحكومة أو التوسع، وهكذا. إن صحّ هذا التشخيص، فإن السؤال الذي يعقبه هو ما حدث بأجهزتنا الإدراكية، ليجعلها حسّاسةً، لأسماء السياسات أكثر من واقعها وأثرها الحقيقي؟ هذا سؤال بحاجة لتأمل.

كوبا والتهوين من شأن الديمقراطية

قبل ثلاثة أعوام، وفي الذكرى الحادية والستين لوصول الضباط الأحرار إلى السلطة في مصر، جرى نقاش حاد حول التجربة الناصرية. صحيح أن هذا النقاش يتكرّر بشكل مستمر بين عدة تيارات عربية، إلا أن ما يميز النقاش في تلك السنة أن الحادثة جاءت بعد عشرين يوماً من إنهاء عبدالفتاح السيسي التجربة الديمقراطية في مصر، حيث كان جزء من الخطاب الذي اتكأ عليه لتبرير وصوله إلى السلطة هو تقديمه نفسه باعتباره امتداداً لجمال عبدالناصر، في وقتٍ كان فيه أنصار الرئيس محمد مرسي معتصمين في ميدان رابعة العدوية، قبل أن يتم فض اعتصامهم بمجزرة كبيرة في الرابع عشر من أغسطس/ آب.لهذا السبب، كان مرور تلك الذكرى، في ذلك الوقت، مناسباً لكل الأطراف لتبادل الاتهامات من أجل توظيف الماضي، لتبرير الحاضر، وكذلك توظيف الحاضر لإدانة الماضي. من بين الحجج التي ردّدها خصوم السيسي والانقلاب أنه: ادعاء السيسي صحيح، هو فعلا امتداد لعبد الناصر، كلاهما عسكريان حاولا إسقاط حالة ديمقراطية لإقامة نظام مستبد. حينها، كتبت في مقال بعنوان “بؤس المعيار الديمقراطي” “صحيح أن الديمقراطية مهمة، صحيح أن غيابها أحد الخطايا الكبرى لتجربة عبد الناصر، لكنها ليست المعيار الوحيد للحكم على التجارب السياسية، فهناك أيضا معايير أخرى، مثل الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية”.

توفي الزعيم الكوبي، فيديل كاسترو، قبل أيام، وكما هو متوقع، كرّر أصحاب معيار الديمقراطية محاججتهم نفسها: ليس ديمقراطياً؟ إذن، لا قيمة له. لم يكن خروج مثل هذه المحاججة منهم مفاجئاً، بل ما كان مفاجئاً ردود من المدافعين عن تجربة كاسترو من يساريين واشتراكيين. لنتفحّص، مثلاً، مقالة عامر محسن في صحيفة الأخبار البيروتية “عن كوبا والاشتراكية والسعادة”. قدّم الكاتب مجموعة من الحجج، يحاول في واحدة أن يبين أن كوبا ليست فقيرة، ويهوّن، في ثانيةٍ، من شأن انعدام الديمقراطية في كوبا.

يكتب، في حجته الأولى، ردّا على من يدّعي أن كوبا فقيرة إنها “من أثرى دول الكاريبي”، 

“أمر مذهل أن يتفق اشتراكي ونيوليبرالي في موقفهما من الديمقراطية” ويوضح ما يقصده بـ “أثرى” أن معدل دخل الفرد فيها أعلى من غيرها بالقيمتين، الدولارية والشرائية. أولا، لماذا حصر المقارنة فقط مع دول الكاريبي؟ هل يصح مثلاً أن استنتج أن اليمن ليست فقيرة، لأن معدل دخل الفرد فيها أعلى من بقية دول القرن الأفريقي (إثيوبيا وإريتريا والصومال وجيبوتي)؟ ستكون نتيجة مضحكة. وما يزعج حقا أنه، على الرغم من اعتباطية المقارنة بدول الكاريبي، إلا أنه لم يتحرّ الدقّة فيها، ذلك أن ترتيب كوبا، من ناحية دخل الفرد، هو التاسع من بين اثنتي عشرة دولة ودويلة في الكاريبي.

ليست معضلة محسن في هذه المقارنات الكميّة الاعتباطية، بل في محاججته الثانية ضد من سماهم “الديمقراطيين العرب”، فهو يردّ على تهوينهم من شأن سياسات كاسترو الاقتصادية والاجتماعية بتهوينٍ من شأن الديمقراطية نفسها. فبالنسبة له، “الهدف من الانتخابات وتبادل السلطة والنّظام السياسي” هو “ضمان الأمان والكرامة للمجتمع”، والأخيرة أمور “مثل تعليم الشعب، وتأمين الرعاية الصحية اللائقة، وتوفير الأمن الغذائي للجميع”. يذكّرني هذا الردّ بمقالة لمدير قناة العربيّة، تركي الدخيل، نشرها في بداية الربيع العربي، وتبرّر رفضه الديمقراطية في دول الخليج بحجة بسيطة: إذا كانت التنمية هي الهدف من الديمقراطية، فدول الخليج حققتها، فما الحاجة لها؟ إنه لأمر مذهل أن يتفق اشتراكي ونيوليبرالي في موقفهما من الديمقراطية.

تتعامل مثل هذه الحجج مع مسألة الديمقراطية بطريقة أداتية، أي أنها تصوّر الديمقراطية وسيلة لتحقيق أمر آخر، الأمان الغذائي والتعليم بالنسبة لمحسن، والتنمية بالنسبة للدخيل؛ وهما 

“المشاركة في اتخاذ القرار، واختيار من يحكمك، والتداول السلمي للسلطة ليست غايات مطلوبة في ذاتها” بالمناسبة شيء واحد، فإذا استطاع النظام تحصيل هذا المطلب بدون ديمقراطية، فهذا يجعلها بلا قيمة. أي أن المشاركة في اتخاذ القرار، واختيار من يحكمك، والتداول السلمي للسلطة ليست غايات مطلوبة في ذاتها، وإن وجودها في مجتمع ما يجعلها تحقق جانباً كبيراً من كرامة الإنسان، بطريقةٍ تتيح له أنه يلعب دوراً في تحديد مصيره، وأنه ليس قاصراً بحاجة لطليعة أو نخبة ما، تزعم في نفسها حكمةً متعاليةً تتيح لها تحديد ما هو الأصلح للناس، من دون أخذ رأيهم.

انتقاد الاقتصار على معيار الديمقراطية مهم، والأهم منه انتقاد التهوين منها، والتعامل معها بشكل أداتي، فهي (الديمقراطية) مهمة بالمقدار نفسه، إن لم يكن أكثر، الذي يكون فيه الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية والتنمية مهمة. وعوضاً عن البلادة الفكرية بالاقتصار على واحدةٍ من هذه الجوانب، واعتبارها معيارا للحكم على الأنظمة الحاكمة، لا بد من الاعتراف بوجود علاقةٍ متوترة بينها، وأنه لا يمكن الحصول عليها كلها دفعةً واحدة، والتفريق بين التمييز الأولوي لواحدةٍ منها لأجل أخرى في سياق محدّد، وبين تبرير تغييب إحداها عبر تقديم أخرى. مثل هذا العمل الأخير يحتاج مجهوداً فكرياً أكبر، بعيداً عن الأحكام الجاهزة المعلبة والتبريرية.

إلغاء قوانين الولاية السعودية مطلب شرعي

إذا كنت ترفض مطلب إلغاء الولاية لإنك تعتبر هذا المطلب فيه إسقاط لجزء من الدين، أو لأنك تعتبر الولاية أمر شرعي فالمطالبة باسقاطه مصادم للشرع، أو لأنك – لهذا السبب أو ذاك- تعتبر مطلب الولاية يتعارض مع الإسلام، فهذه التدوينة موجهة خصيصا لك، وفيها سأقدم الحجج التي تبيّن أن موقفك غير صحيح. حاولت هنا أن أحصي أغلب الاعتراضات التي تنطلق من أساس شرعي، وحاولت تبيين عدم صحتها بالدليل والبرهان. فإن كنت تعتبر أن حججي هنا ضعيفة أو أني أهملت اعتراضا مهما أو أني صورت احد الاعتراضات بطريقة ضعيفة، فأتمنى تصحيحي وسأكون مستعدا لمناقشة الاعتراض الجديد.

١- ركّز على المعنى وليس على اللفظ.

هناك قاعدة جميلة يرددها علماء أصول الفقه، وهي “لا مشاحة في الاصطلاح”. المقصود هنا أن نركز على معاني الكلمات وليس على الألفاظ ذاتها. فإذا كان المعنى الذي يقصده الشخص من اللفظ يختلف عن المعنى الذي يفهمه منه محاوره، فإن الحوار سيكون مشتتا ولن يفضي إلى نتيجة. وغالب النقاشات حول “الولاية” هي من هذا النوع. فمن يطالب بإلغاءها يعني شيء، ومن يرفض إلغاءها يعني شيئا آخرا. فيصبح كلا الطرفين يتناقشان في أمرين مختلفين بشكل مستمر. وحتى لا نقع في نفس هذا الخطأ هنا في هذه التدوينة، يجب أن نضع التعريفات بشكل واضح وأن نتحرر من الخلافات اللفظية التي لا تفيد وتشوش الحوار.

٢- المقصود بـ(الولاية) مجموعة من القوانين السعودية، وليس المقصود الشريعة أو الأحكام الشرعية المتعلقة بالولاية

الحديث عن الولاية في الحملة هو حديث عن مجموعة من القوانين السعودية وليس الحديث عن أحكام شرعية. مثال على هذه القوانين هو التالي: عندما تقوم امرأة بجريمة ويتم الحكم عليها بفترة محددة في السجن، فهي لا يسمح لها بالخروج من السجن إلا إذا جاء ولي أمرها ليستلمها حتى لو انتهت محكوميتها. يعني تخيّل امرأة عمرها ٣٠ سنة، قامت بجريمة، وحكم عليها بـ١٠ سنوات، ثم انتهت محكوميتها وعمرها ٤٠ سنة. وعندما تريد الخروج من السجن، لا تسمح لها إدارة السجن بالخروج وذلك لأن ولي أمرها يرفض استلامها من السجن. فهل هذا القانون الذي يجعل مصير هذه السجينة وخروجها من السجن معلقا بيد “ولي أمرها” شرعيا؟ إن المطالبة باسقاط هذا القانون ليس مطالبة لإسقاط الإسلام أو حكم شرعي، بل إن العدل الذي أمر به الشرع يقضي بأنه لا يجوز معاقبة الشخص بأكثر من العقوبة التي قررها له القاضي. أكمل قراءة التدوينة

الفرق بين نظام الولاية والعبودية ونظام الفصل العنصري

هناك أطياف متعددة من المجتمع السعودي مؤيدة لحملة #سعوديات_نطالب_باسقاط_الولايه ، ورغم وجود حد أدنى من الاتفاق فيما بينها، إلا أن هناك العديد من الخلافات في الهدف والوسائل والخطابات. ولعل أهم هذه الخلافات هو حول الإطار الذي يجب أن تقدم فيه القضية. فمن يغرد على الهاشتاق الإنجليزي: أوقفوا استعباد المرأة السعودية (stop enslaving Saudi women)، يصوّر وضع المرأة باعتباره وضع “استعباد”، وهناك من يستخدم نظام “الفصل العنصري” الذي كان السود يعانون منه في أمريكا لتصوير العلاقات بين المرأة والرجل في السعودية بأنها مطابقة أو مشابهة لحالة التمييز تلك. في هذه التدوينة سأقوم بنقد هذين الإطارين على أساسين: الأول، أنها في مضمونها أطر خاطئة، والثاني، أنها من الناحية التكتيكية أطر مضرة أكثر منها نافعة.

ولكن قبل البدء بهذا النقد، لا بد أن أوضح ماذا أقصد بالإطار ولماذا من المهم نقده. حتى نفهم الإطار، لابد أن نعرف أمران: ١- أنه لا يمكن تقديم أي قضيّة بطريقة محايدة. ٢- أنه يمكن تقديم أي قضية بأكثر من طريقة واحدة. لنضرب مثال: قرر عمال شركة كبيرة الإضراب عن العمل. يمكن أن نصيغ الخبر بـ”إضراب عمال شركة احتجاجا على حرمانهم من حقوقهم المقررة لهم في القانون”، أو “هزّة كبيرة في الاقتصاد بسبب اضراب عمال شركة س”. كل الصياغتين تتحدثان عن النفس الحدث، وكلاهما صحيحين: الإضراب لأجل حقوق قانوني، والأثر الاقتصادي السلبي حقيقي. نظرية الإطار تقوم على فكرة أن ردة فعل المتلقي على الخبر ستتأثر كثيرا بالإطار الذي يقدم به بشكل يعادل أو أكثر من تأثره بمحتوى الخبر نفسه. وهناك العديد من الدراسات التي وجدت تأثيرا كبيرا للإطار على المتلقي. في إحدى هذه الدراسات تم سؤال المتلقين عن موقفهم من مسألة هل يحق لجماعات الكراهية التظاهر؟ في المرة الأولى، صيغ السؤال على شكل “نظرا لأهمية حرية التعبير، هل يحق لجماعات الكراهية التظاهر؟” وفي المرة الثانية، صيغ على شكل “نظرا لأهمية الحفاظ على الأمن، هل يحق لجماعات الكراهية التظاهر؟”. في المرة الأولى، جاوب ٨٥٪ أجابوا بنعم، وفي المرة الثانية أجاب ٤٥٪ بنعم. ومن هنا يصبح من المهم في أي حملة الحرص على الإطار التي تقدم من خلالها مطالبها، فأيا تكن المطالب عادلة، فالإطار الذي تقدم به هذه المطالب سيحدد بشكل مؤثر ردة الفعل اتجاهها. ولهذا من الضروري نقد الأُطُر المضرّة، وتحسين الإطار الذي تقدم من خلاله القضية العادلة، وذلك لكسب مزيد من التضامن، ومزيد من القبول والتلقي.

نظام الولاية… العبودية… التمييز العرقي

قالت الفيلسوفة الألمانية-الأمريكية حنة أرندت يوما “إن الأمر يبدو كما لو أن لي الحق أن أسمي كعب حذائي مطرقة فقط لأني، كغيري من النساء، استخدمه لتثبيت المسامير على الجدران”. ما تعنيه أرندت هنا هو أنه رغم أن المطرقة وكعب الحذاء يتشاركان نفس الوظيفة (طرق المسمار) إلا أنهما ليسا نفس الشيء، فكعب الحذاء ليس مطرقة. هذا المثال وجهته أرندت لنقد النظرة الوظائفية التي تنزع للتعامل مع الظواهر على أنها متماثلة إذا كانت تقوم بوظائف متشابهة، وهذه النظرة هي – باعتقادي- الدافع الذي يجعل البعض يساوي بين نظام الولاية وبين العبودية وبين التمييز العرقي وذلك لوجود تشابه في هذه الوظيفة أو تلك. إن تجاوز النظرة الوظائفية لكفيل بمساعدتنا على فهم طبيعة علاقة الاتصال والانفصال بين هذه الأنظمة بشكل أدق. أكمل قراءة التدوينة

ماذا يعني مصطلح “متشدّد”؟

كثيرا ما تتكرر عبارة “فلان متشدّد” على مسامع أغلب الناس، ونجدها- أي العبارة- تمّر على مسامعهم بكل سهولة ويسر دون أن تجد عقلا متسائلا يفكّر قليلا في التدقيق حول معناها. أنا- لحسن الحظ- لست من أغلب الناس هؤلاء، ولديّ مشكلة حقيقية في الكلمات من هذا النوع الذي يتم تداولها كما لو كانت تتضمن معنى أو تحمل دلالة واضحة، ولكن عند التدقيق نجد أنها بلا محتوى دقيق أو واضح.

لنبدأ من الجذر اللغوي للكلمة. متشدد، من شدّ، وشدّ- في لسان العرب– من الشدّة وهي “الصلابة ، وهي نقيض اللين تكون في الجواهر والأعراض … وشيء شديد : مشتد قوي … وتقول : شد الله ملكه ; وشدده : قواه . والتشديد : خلاف التخفيف . وقوله تعالى : وشددنا ملكه أي قويناه… وشددت الشيء أشده شدا إذا أوثقته . قال الله تعالى : فشدوا الوثاق . ..ورجل شديد : قوي والجمع أشداء وشداد وشدد…”. من هذه المعاني نستخلص أن المتشدد يعني عكس الليّن، أي الشخص الذي يأخذ الأمور بشدّة وقوّة، ولا يتعامل معها بلين. أكمل قراءة التدوينة

ذكرى النكبة.. ذكرى فهد المارك

”هذه أول مرة أسمع عن سعودي يقول أنه يريد أن يتطوع“. هذه هي الجملة التي تلفّظ بها– بسخرية– المفتش العام لجيش الإنقاذ العراقي طه الهاشمي عندما قدّم له فهد المارك أوراق تطوعه. كان ذلك في عام ١٩٤٨م إبّان إعداد الدول العربيّة للحرب من أجل تحرير فلسطين. كانت الحادثة في دمشق، حيث كانت سوريا آنذاك أول جمهورية برلمانية في الوطن العربي بقيادة شكري القوتلي. وكان الأخير على قناعة بأن ملك الأردن عبدالله يريد استغلال الحرب على التنظيمات الصهيونية التي أعلنت نفسها دولة فوق أرض فلسطين من أجل تحقيق حلمه في توحيد سوريا الكبرى. ولأن سوريا حديثة التكوين، فقد دفعت الجامعة العربية من أجل إنشاء جيش مستقل من المتطوعين العرب سمي بجيش الإنقاذ. كان عدد جيش الإنقاذ قرابة ٣٨٠٠ مكوّن من جنسيات عراقية وسورية وأردنية ومصرية وفلسطينية وسعودية ويوغسلافية، واسم قائده هو فوزي القاوقجي من طرابلس من لبنان، والذي ساهم في تجهيز الجيش السعودي قبل معركة السبلة، والذي شارك في الثورة ضد الفرنسيين وكذلك في ثورة الكيلاني في العراق. يقول فهد المارك أنه أجاب الهاشمي بقوله ”سوف لن أكون الأخير“. ولكن قبل أن نتحدث كيف حوّل المارك إجابته هذه إلى فعل، علينا أن نتعرف على الطريق الذي اتخذه– كما يرويه بنفسه في مذكراته– حتى يتطوع في الجيش. فسيرة حياة المارك تختزل في داخلها شبكة العلاقات المتداخلة في الوطن العربي. أكمل قراءة التدوينة

نبش قبر حجر بن عدي: طريقة إيران وحزب الله في تأجيج الطائفية في المنطقة

مقدمة

في مطلع شهر مايو من عام ٢٠١٣، ضجّت مواقع الأخبار التابعة لإيران وحزب الله والنظام العراقي والسوري وبعض المواقع الشيعية (براثا ، العالم ، المنار ، press ، الأخبار ، وكالة أهل البيت للأنباء) والمنتديات الشيعية (يا حسين ، هجر) بخبر نبش قبر حجر بن عدي ونقل جثمانه إلى مكان مجهول. بعد انتشار خبر الحادثة، أدانها خامنئي ، وعلّق المرجع الخراساني التدريس في مدرسته في قم بسببها، كما أوقفت الحوزة العلمية – حيث يتواجد كبار المرجعيات من أمثال السيستاني – في النجف التدريس احتجاجا عليها، وأصدرت الحوزات العلمية في البحرين بيانا استنكاريا. لم يقتصر الأمر على الإدانة من الجهات الدينية والعلمية، بل حتى الجهات السياسية. ففي العراق، أعلنت وزارة التعليم العالي تعطيل الدراسة في كافة مؤسساتها لمدة ساعة احتجاجا على نبش القبر، كما أدانها رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي، وكذلك حزب الله اللبناني، كما اشتعلت المظاهرات في العراق وايران بسبب هذه الحادثة.

نحن أمام حالة غليان وغضب كبيرة في أكثر من دولة ومنطقة نتيجة هذا العمل. لكن السؤال: هل وقع هذا العمل؟ هل هناك دليل على أن حادثة النبش هذه وقعت؟ هذا ما سنحاول تفحصه في هذه التدوينة.

مصدر الخبر؟

١- صفحة الفيسبوك:

تستند كافة هذه الأخبار على خبر يتيم نشر في صفحة فيسبوك تحمل اسم “تنسيقية عدرا البلد وما حولها”. عدرا هي البلدة التي فيها قبر الحجر بن عدي، وهذه صورة مما نشرته الصفحة:

hirj2

فكل هذه الأخبار والتصريحات والاستنكارات تنطلق مما أوردته هذه الصفحة الفيسبوكية التي لا وجود لها اليوم.

٢- الإضافات:

بعد ذلك بدأت تضاف إضافات متعددة للخبر الرئيسي، أهمها ما يلي:

أ- هوية الجناة: أكمل قراءة التدوينة

خطاب الممانعة وفيلة التدخل الروسي-الإسرائيلي

فيل في غرفة

كتب القاص الرمزيّ الساخر الروسي إيفان كريلوف قصة بعنوان ”الرجل الفضولي“. تتحدث القصة عن رجل دخل إلى متحف، ثم أخذ يتجوّل فيه كغيره من الزوّار، إلا أن ما كان غريبا فيه، وما ميزه عن غيره، هو أنه لم يلفت انتباهه إلا الأشياء الصغيرة في المتحف. وسبب الغرابة هو أن عيناه تعامت وتجاهلت فيلا كبيرا قابعا وسط المتحف. من هذه القصة، تشكّل المثل القائل في اللغة الإنجليزية (فيل في غرفة)، للإشارة للقضية المركزية والرئيسية التي يتم تجاهلها- بقصد أو بدون قصد- ممن يحاول التركيز على الجوانب التفصيلية والهامشية.

رفض التدخل الروسي

كان من بين المواقف والتعليقات العربية التي تشكلت بعد إعلان روسيا عن دخولها المباشر للحرب في سوريا، موقف أعتبر التدخل الروسي كاشفا عن تناقضات المدافعين عن ما يسمى بـ”محور الممانعة“. حيث ركّز متبني هذا الموقف على نقطتين رئيسيتين:

١- أن التدخل الروسي يكشف تناقض (الممانعين) في تأييدهم للتدخل الروسي في نفس الوقت الذي يقدمون أنفسهم ك(ممانعين) للتدخلات الخارجية في المنطقة.

٢- تتعلق هذه النقطة بالتنسيق العسكري الروسي-الإسرائيلي وكيف أنه يكشف عن تناقض الممانعين في كونهم يقبلون- أو على الأقل يصمتون- أمام هذا التنسيق رغم دعواهم بأنهم (يمانعون) أي نوع من التقارب أو التحالف مع من ينسق عسكريا مع العدو الصهيوني. أكمل قراءة التدوينة